تدوينات

همسة إليكِ 3

عن الحب الحديث، هكذا بدون مقدمات وبلا تمهيد معتاد أن الذي دفعني بالكتابة عنه سببين :

الأول: أن الحب وتجلياته الوردية وندى قصصه المتناثرة تتحرش بخيالات كل فتاة وتراودها أحلامها بالتفتيش عن فارسها المنتظر، كيما تحملها أجنحةُ قلبهِ وتطيرُ بها إلى سحائب الوداد وفضاءات السعادة والحلم ، خاصة في بداية تَشكُل أنوثتها وتفتُحِها على ربيع العمر المرحب بكينونتها الفتية.

أما الثاني فيتقاطع نسبياً مع الأول وهو عدم القدرة على تثبيت مسافة نفسية بين الجنسين، في رحلة استكشاف الأخر، وبسبب الانفتاح الكبير الذي أحدثته ادوات العصر ما أدى لكارثية كثير التجارب، وخيبات راكمها الاندفاع وراء تقليد خطى دراما المبتذلة، وما تركته من تشوهٍ في المفاهيم وتجريث للمبادئ والمُثل.

وهذا ليس رجماً بالغيث بل مجمل القصص الظاهرة يُعطي هذا الانطباع عدا عن الخفي المستور وما بقي حديث الصدور الموجوعة.

قد تكون هذه الهمسة إليكِ (بكسر الكاف) لكنها تصح أيضاً أن تكون همسةً إليكَ (بفتح الكاف)..

فحديث الحُب يخُص كل فتاة وشاب، ولا بُد أن يكون أخذ من خيالاتهم ودفق مشاعرهم أثناء العبور من مرحلة الطفولة لمرحلة النضج واليفاع.

لقد خُلق بني آدم بغريزة الانجذاب للجنس الآخر وهي لازمة من لوازم التناسل وعمارة الأرض، وقد جاءت رسالة السماء لا لتكبت فطرة الإنسان أو تحاصرها، بل لتصونها من العبث وتحفظها من الانحدار ولتسمو بها عن الاستسلام لدون البهيمية و جموح الغرائز الشاردة وترقى بها لآفاق الطهر وكرامة مرتبة الاستخلاف التي اختص الله بها بني آدم عن سائر المخلوقات فكان الزواج رابطاً مقدساً بشروطه وأركانه ، التي حفظت للإنسان أشواق الأرض وجللتها بأنوار السماء.

لقد خلقنا بنزعة البحث عن الشريك ، والتوقِ إلى شاطئ تنتهي إليه رحلة إبحارنا فنرمي إليه مراسينا ونرخي في أحضانه العمر مزداناً بمدٍ من الأماني وفيض من الأمان، إلى الشطر الذي يجتمع لنا في إطاره بقايا قطعنا الفسيفسائية ، إلى النبع الذي يصب خيره فينا ، فتزهر له سوسنات القلب و تخضر به دوحة الروح بشمائل الرقة والحُسن وجمال الود وطيب المعشر، إلى الأغنية التي تنظمها قافية الروح واللحن المعزوف على أوتار القلب والفرحة التي تتهلل بها أسارير الحياة، إلى الحب الذي يلُم شتات النفس من نثر الشقاء إلى هناء الوصل بدفء الحب ولمس العيون .

لقد جاءت بلاغة القرءان تعبر عن ذلك بأجمل تعبير وأرقى دلالة لغوية فقال “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”.

فما أجمله من وصف وما أكمله من معنى، حين يرد النفوس للنفوس وكل زوج إلى زوجه التي يكمله لينطلقان معاً في ذات الدرب، روح واحدة التقت في عالم الغيب، وانبعثت جسدين مختلفين في عالم الشهادة.

ففي التقاء أشواقهما جاءت مشيئة الخالق باستمرار الخلق وعمارة الحياة فلا هدأةً ولا ارتواء إلا بحدود هذا السكن بمعناه المادي والمعنوي، فبين جنبات الحماية والامان ومنه تنبعث براءة براعمنا الناشئة وفيه سكينة النفس وسعادة الوجدان التي تظللُنا بصفاء المودة والحب وعرائش الرحمة والعطف.

وبعدُ يا زينةَ الدنيا ..

أرى طيف أحلامُكِ الممتدة على اتساع هذا الكون لوردية ألوانها في تأَنُثٍ ودلال، وأدري بخفق القلب الباحث عن كفٍ تهدهده وتمسح ما علق عليه من نكد الحياة وغبار مواقف الانتظار.

ولا أدَّعي فتحاً إن قلت أني أكاد أشعر بوقع هواجزكِ المكتومة بل وبحرارة الدمع المكابر في متاهة التوحد مع الذات الأملة خلاصاً وارتياحاً، ولربما ألجئتكِ سياط الوِحدة وما أغراكِ جمال بعض النهايات إلى الاسراع لأي التجاء أو الارتماء في أي ركن دون وعي منكِ أو إدراك، وقد تدفعكِ المغامرة إلى القفز عن حواجز العادات وتجاوز دائرة القيم بكسر عذرية القلب والعيش بتجربة الحب والانتشاء بلذة الشعور والتمتع بغمرة الإحساس الذي يُهَدئ لهيب العواطف ويُسكب أجيج الوجدان.

وهنا وقفةٌ جادة للقول:

لا أحد ينكر الظمأ العاطفي الذي نحياه في عصر سُعار الانكشاف على كافة الأصعدة، والذي للأسف لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشتت النفسي واضمحلال في العلاقات الانسانية والتشكل في حيوات افتراضية وممارسة قناعات تخالف أحيانا أسلكيات الواقع إما هروباً أو تضليلاً، فمن ليس مرتبطا داعبت خيالاته مشاهد المجد وعذوبة حكايا العشاق التي تستدرجه كمائنها للإقدام وتستحفه تجلياتها لعيشها بأي ثمن وإن تجاوز حدود الأعراف و تماهى مع تقليعات الانفتاح والحداثة ومن كان مرتبطا فله في ظل هذا الاكتشاف العام أن يعقد مقارنات ولربما تكون محقة بين شريكه في الحياة وبين مثالية اسقاطاته على بعض التجارب والمشاهدات التي قد تكون تصديراً درامياً فقط، فتدفعه نقائص الشريك للثورة عليها والقصاص منها ولو بالاجتراء على قدسية الارتباط، أملاً بالتعويض المعنوي الذي قد يستتبع تفكك عذوبته الأسرية وغياب لقيم الصدق والوفاء والصبر لصالح الانحدار في دركات الخطايا .

إن الشعور بالحب هو دليل على عافية الفطرة وسلامة الإحساس، لا ينفيه إلا جاهل ولا يتنكبه إلا متغابي أو بليد.

ولقد أقر الدين الحب كواحد من التجليات الانسانية غير أنه قيده بضوابط تحفظه من الملل وتمنعه من السير وراء الهوى، فكان الزواج جنة المتحابين وروضة العاشقين، قال صلى الله عليه وسلم ” لم أرى للمتحابين غير النكاح “، ولقد أورد القرءان الكريم مآل الحب الذي تعميه الشهوة وتقوده نداءات الجسد فقط، في قصة نبي الله يوسف مع امرأة العزيز التي “قد شغفها حبا”، فقامت فكان أن غلقت الأبواب وقالت “هيت لك”، فعصمه الله عن الفاحشة و “لبث في السجن بضع سنين” إلى أن ظهرت براءته وأقرت بطهارته رغم نقاء حبها له ” ذلك ليعلم أني أخنه بالغيب”، وذهبت  شهادتها  للمتحابين إقراراً وتحذيراً وما “أُبرئ نفسي إن النفسَ لأمارةٌ بالسوء”

 ليبقى الحب بمفهومه النقي الطاهر هو المُتَرفع عن دونية اللحظة والمتعالي عن دنس النزوات الطارئة المتدفق من نبع العفاف مثل ماء الزلال يجلو على النفس أدرانها على جدرانها ويَعْمُرُها بأزهار الفضيلة والنقاء.

المتصل بحبل السماء نهجاً وسلوكاً كما يكون طلباً ودعاءً بأن تكون أقدارِ الخيرِ مع من نحب وأن تتجند الأرواح في كنف الأرواح ، تعارفً فتآلفً فمودةً وسكن .

و هو ذات الحب الذي يلزمنا التماس حد المقبول فلا نتعداه ويحذرنا من سوءات التمادي فننساه، فلا يدفعنا للتهاون في تبرير المواعدات البعيدة عن الأعين بدعوة الصداقة أو التعارف، أو ينفلت في ثنايا المحادثات ويتهتك في ليالي المكالمات الطويلة بدعوة الحب أو بدافع الحب وما هو من الحب في شيء .

يبقى الحب حبا ما إتشح بثوب الحياء واعتمر تاج الوقار وجللته أنوار الحشمة والأخلاق فإن فقدها فهو أي شيء إلا أن يكون حباً، فالحب الصحيح كما يقولُ الرافعي “هو الذي سلمت فيه دواعي الصبر واعتدلت به نوازع النفس وتوثقت فيه عقود أمنية وارتوى غيبه ومشهد فكان أشبه بقوة سماوية كالطبقة بين الإنسانية والالهية” .

وعليه فإن الحب في معنى من معانيه كالقدر المحجوب والرزق المكتوب ، وما ولا عجب  أن نستمع لرسول الله صل الله عليه وسلم يصف حبه لخديجة تلك امرأةٌ “رزقني الله حبها”.

ختاماً ..

سَيزور الحُب قلبَكِ ويغمركي منه وافر الحظ والنصيب وستزهر قطوفه بين جنبيكِ جنائن الربيع وبساتين من الغرام المرتسم بريشة القلب لوحة تنبض بالحياة و أريجً من العطر يعبق بين الضلوع، على أن تصوني حماكِ من أن يتسلل إليه عابث أو يدنس طهر أنوثته طامع أو خبيث  فلا يبقى لديكي بعدها إلا مرارة التجربة التي تذهب عذوبة الذكريات وظلال الخيبة التي تخيم على براءة المقصد ، وتذكري أن  الحبيب لا يعرف الالتباس، ولا يأتي من الأبواب الخلفية أو قفزا عن الاسوار ، فهذه لا يتقنها إلا اللصوص و لابسي الأقنعة، ومن أرادكِ بهذا السبيل فإما متساهل يراكِ الأنثى التي يريد فوجب تذكيره بالأصول و أن يأتي البيوت من أبوابها وكفى ، حفاظاً على اتزانكِ والوقار ، و إما متحايل يراكِ المغفلة التي يمارس عليها الألاعيب التي اعتاد على ممارستها مع غيرك، فهذا دونه ودونكِ ألف جدار ولا أسف عليه.

لذا كوني الفتاة التي تُجمل أنوثتها بالالتزام وتحمي طهر قلبها بالعفة وتتزين في يومها بالحياء وانتظري غدا بالحب يهل عليكِ و بالسكن.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى