ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

عودة منسية

سأبدأ رسالتي بالسلام، فكثيراً ما حلمت به حلمت بجارتي العجوز تطرقُ بابنا فيلامس كفي خبز الطابون التي تعجنه كل صباح، وأشجارُ البرتقالِ أشتم عبق رائحتها من على عتبة البستان، والشيخ الإمام يلامس أذني ترتيله للقرآن عند كل صلاة، وأمي الحاجة حسامية لا تستغربوا من اسمها فحسام هو جدي كانت أمي ابنته الكبرى يصطحبها للحقل عند الشروق غير آبه أنها صبية، فناداها الجميع حسامية مع أن حروف اسمها كانت سمية، وأبي الحاج أسمر مع أنه حنطي ذا جبين أجدر فسمار سيفه كان دليلا لشجاعته والكل يشهد، وإخواني محمد ومحمود واﻷحمد كانت الخيل لهم تخنع وتصهل.

كانت حياتنا هادئة فمن في القرية أقارب لنا منهم من بالقلب وآخر أخ والباقي بالدم فالأخوة تتعدد، في ليلة سوداء ثقب أذني صوت طنين مزعج، ظننته كابوس يزورني فأكملت نومي وأنا أتقلب، وصدى اسمي بالأرجاء يصدح به أخي أحمد، ذهب النعاس في تلك اللحظة وما زلت أتذكر، يومها الأشلاء انحفرت بذاكرتي والطفلة الصغيرة بداخلي لطفولتها تبكي وتَنحر، فلعبتها اختفت تحت الركام الأغبر، وأبي المقاتل الأسمر حملني بين يديه هامسا أن حياتي هي الأهم وغداً سينتهي الكابوس الأسقم.

مضيت أبحث عن أمي وإخوتي وجدتي صفية ذات الوشاح الأحمر، وإذ بضوء برتقالي ممزوج بالأصفر أعلن عن انتهاء الليل الكئيب الأرعن، وإذ بأمي تصرخ لقد رحل البستان وأشجار الزيتون والبرتقال فأي وطن نمتلكه والاحتلال به ينحر، يومها أعلنوا وعد بلفور والعالم جالس يتفرج، عفواً فلسطين الحبيبة أنا ابنتك ومن يقول غير ذلك فليواجه حرفي المتمرد تحت كرم العنب بجبل النار في قريتي الجميلة فأبي المقاتل الأسمر..؟!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.