ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الأسرى وانتزاع لحظات الفرح

أثارت تصريحات الفتاة المحررة (عهد التميمي) عن ظروف الحياة في السجن زوبعة من النقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وللأسف فإن طرق النقاش التي يمارسها (نشطاؤنا) تشير بوضوح إلى أن قدرتنا على التعامل مع الإعلام لا زال ينقصها الكثير من الخبرة، ولا زلنا نتعامل مع ما يقع بين أيدينا من المعلومات بطريقة فجّة ضررها أكثر من نفعها.

في البداية يجب أن ندرك أن (التميمي) لم تذكر شيئًا جديدًا حول طريقة حياة الأسرى والأسيرات، فهي قد ذكرت أثناء كلامها الذي كان يدور بعفوية وبساطة شديدين أن الأسيرات في سجنهنّ كُنّ يعملنَ حفلات ويرقصن ويغنّين ويحضرن التلفاز ويلعبنَ، وكل هذا معلوم منشور، ويكفي أن تدخل الـ (يوتيوب) لترى مقاطع فيديو كثيرة منشورة قد التقطت عبر الهواتف المهربة في السجون، وخصوصًا سجن النقب، يظهر فيها الأسرى ينشدون ويدبكون ويمثلون مسرحيات ويقيمون احتفالات.

إذًا فما الذي أثار هذه الزوبعة التي لم يكن لها داعٍ؟

مما لاحظته أن المواقف المسبقة والتمترس حول صورة نمطية سلبية نسجها البعض حول الأسيرة (التميمي) كان له دور كبير في كيفية تعاطيهم مع هذه التصريحات، وليس أدل على ذلك من أن كثيرًا من المنتقدين كانوا من الذين عاشوا في السجون ويدركون الأمور على حقيقتها، ولكنهم بدلًا من أن يساهموا في توضيح الصورة وتجليتها عملوا على زيادة غبشها.

(التميمي) ليست خبيرة في مخاطبة الإعلام، وكان يجدر بمن حولها أن يقوموا بتوعيتها حول كيفية مخاطبة الإعلام لئلا تقع في ما وقعت فيه من التصريح بما قد يساء فهمه، وكونهم لم يفعلوا ذلك لا يعفي النشطاء الواعين من واجب استدراك الخلل وتوضيح الجزء الذي لم يظهر من الصورة.

لقد ذكرت (التميمي) جزءًا من الصورة، وهو جزء حقيقي واقعي، يمارسه الأسرى في كل السجون، إذ يحاولون انتزاع لحظات الفرح، والخروج من أجواء القهر التي يحاول السجان فرضها عليهم، فيقيمون الاحتفالات عندما يكون لديهم مناسبة إفراج عن أحدهم، أو يكون لدى أحدهم مناسبة سعيدة خارج السجن، كإنجاب زوجته أو زواج أحد إخوته، أو داخل السجن كتخفيض حكم أو شفاء من وعكة صحية، وما إلى ذلك مما يستدعي الفرح، ولكن جزءًا من الصورة غاب عن تصريحاتها، ولا أعتقد أن غيابه كان مقصودًا منها هي، ولا أدري هل غياب هذا الجزء عن انتباه الصحفي الذي أجرى معها المقابلة كان نتيجة جهل أم سوء نية، وهذا الجزء الغائب، والذي يعرفه الأسرى المحررون كافة هو أن هذه الممارسات (الاحتفال والغناء والفرح) ليست ممارسات مسموحة من إدارات السجون حتى يُظن بهم أنهم يسمحون للأسرى بالعيش في بحبوحة وأريحية.

نعم، لقد كنا في السجن نحتفل ونغني أو ننشد، ولكننا كنا نفعل ذلك مُتَحدّين سجانينا، مخالفين قوانينهم، ولذلك كنّا كثيرا ما نعاقب نتيجة هذا الفرح، كانت الغرفة التي سيفرج عن أحد سكانها تقيم له احتفالًا في المساء، وعندما يصل صوت غنائهم وتصفيقهم للحراس يدخلون القسم لتحديد الغرفة التي تمارس مخالفة (الفرح) هذه، وفي العادة فقد كان هؤلاء يصمتون حتى لا يَدَعوا فرصة للسجّان لتحديد الغرفة المخالِفة، ثم إذا خرج السجان من القسم عادوا لاحتفالهم، غير أنه في بعض الحالات كان السجانون يستطيعون تحديد الذين (أجرموا) ففرحوا واحتفلوا، فتكون النتيجة معاقبة الغرفة كلها، وسلسلة العقوبات عند إدارات السجون طويلة، من ضمنها: الغرامات المالية، والمنع من الزيارة، والحرمان من الفورة، والنقل من القسم أو السجن، أو الاحتجاز في الزنازين الانفرادية.

كان الأجدر بالنشطاء الذين انتقدوا الفتاة البسيطة (عهد التميمي) وهاجموا تصريحاتها أن يقوموا بدلًا من ذلك بتوضيح ما أخفقت هي – لبساطتها وقلة خبرتها في توضيحه – وأن يشرحوا للذين لا يعلمون أن هذا الفرح الذي يمارسه الأسرى ليس منّة من سجانيهم، بل هو فرح ينتزعونه من بين براثن الوحوش، ويدفعون ثمنه حتى وهم يرسفون في القيود، ولكنهم يصرون على انتزاعه ليرسلوا لسجانيهم رسالة مفادها أنكم لن تقتلوا أرواحنا، لن تقتلوا الأمل الذي في نفوسنا، لن تغتالوا البسمة التي على شفاهنا.

وقضية أخرى مهمة تدل على سوء تعاطينا مع مثل هذه التصريحات، لقد تم التركيز على هذا الجانب من تصريحات (التميمي)، والذي اعتبره هؤلاء النشطاء سلبيًّا، وتم تجاهل ما ذكرته عن ممارسة القراءة مثلًا، وهو سلوك إيجابي لا دخل للسجان فيه، وعن التفاعل الاجتماعي بين الأسيرات عبر تناول وجبات الطعام جماعيًّا، وهو أيضًا ما لا دخل للسجان فيه.

إننا – للأسف – نمارس الانتقائية السلبية في تعاطينا مع مثل هذه الأحداث والتصريحات، فنتسبب بالضرر لقضيتنا بدل استثمار الأحداث والاستفادة منها، وننطلق في كثير من مواقفنا مما وصفه المثل الدارج لدينا (بحبّك، ببلعلك الزلط، بكرهك؛ بمسك عليك الغلط).

أسأل الله أن يعجل بالفرج لأسيراتنا وأسرانا، كافة، وأن لا يحرمهم الفرحة والبسمة ينتزعونها من براثن سجانيهم.

تعليق 1
  1. محمد الناصر يقول

    عهد أكثر خبرة في مخاطبة الإعلام من منتقديها على تحديها هي وزميلاتها للاحتلال داخل المعتقلات وخارجها. وهي عندما تذكر ذلك فذلك لأنها لا تحب البكائيات التي تجلب تعاطفا مؤقتا لا ينتج سوى شجب كاذب ودعوة أو دعوتين وبعض الفتات من الأموال لإسكات الباكين وتجفيف الدموع وللمن على من ضحوا بأعمارهم وأرواحهم، بل تحب إغاظة العدو وإساءة وجهه وكشف ضعفه وقبحه وعجزه وتحب النضال والفرح والابتسام رغما عن محاولات الاحتلال التنغيص وانتهاكه القوانين الإنسانية والدولية، وهي تريد بذلك أيضا جلب الدعم الحقيقي الذي هو المشاركة الشعبية العالمية في النضال اليومي بمقاطعة الاحتلال ومؤسساته وداعميها وتسيير المظاهرات وتنظيم الحملات لمطالبة الحكومات والشركات بالمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.
    وقد ذكرت عهد بعض جوانب هذا التنغيص وهذه الانتهاكات في نفس المقابلة وفي غيرها، لكن الصهاينة والمتصهينيين يقتطعون بعض المقاطع ويروجون لقدرة الفلسطيني على انتزاع الفرح وحبه للحياة وتحديه للآلام على أنها مدح للسجون، ويعدون عجز الصهاينة الذين يحبسون الأجساد عن حبس هذه الروح الفلسطينية على أنها إنسانية يتصفون بها، ويغفلون عما تردده عهد مثل (المقاومة مستمرة، والفرحة ناقصة) وأنها لو كانت تمدح الاحتلال لما كانت ستأمره أن (ينقلع) وأن مقاومة الاحتلال سببها وجود الاحتلال وليس سجونه ولا جرائمه فيها.
    والمشكلة تزيد عندما تجد من المقاومين وممن يعرفون الحقيقة وممن يرددون (ما يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري) سماعين لهؤلاء الصهاينة والمتصهينين يرددون أكاذيبهم ويتلقونها بألسنتهم وينشرون إفكهم ويسيئون الظن بإخوتهم، وعندما تجد من يحسد عهد وعائلتها على نجاحها في حشد الصحفيين، متجاهلين أن ذلك أحد مواسم الحصاد لما زرعته العائلة عندما كانت تصور مشاركاتها في مسيرات القرية وهتافاتها وفي دعم المقاومة الشعبية، وتصور عهد وإخوتها وهم يضطرون لطرد النوم من عيونهم ليطردوا جنود الاحتلال الذين يقتحمون القرية والبيوت وغرف النوم مدججين بالأسلحة ومصحوبين بالتخريب، وحصاد لدعواتها للنشطاء الدوليين للمشاركة الشخصية في مواجهة الاحتلال، وحصاد لمخاطبة الشعوب صغارا وكبارا ومطالبتهم بالمشاركة المتواصلة في النضال الدولي حتى تحرير فلسطين، وحصاد كذلك لتحرير عقول إسرائيليين من الفكر الصهيوني ومن خدمة جيش الاحتلال.
    فبدلا من أن يفرحوا بهذا الحشد وهذا الحصاد الذي جنوا بعض ثماره حين تذكرت الشعوب فلسطين وعرفوا أسيرات وأسرى بالأسماء والصور وبعض التفاصيل يتهمون المناضلة وعائلتها بالاستحواذ على اهتمام وسائل الإعلام، كأنه ولد من فراغ، وكأن قادة العدو لم يعقدوا اجتماعات للبحث عن وسائل لتشويه صورة هذه العائلة ومواجهة القرية الصغيرة، مثل حصارها واستهداف فتيتها بالرصاص وزج نسبة كبيرة منهم في السجون، ومثل محاولة سن قانون يمنع تصوير جرائم جنوده.
    وبدلا من أن يعترف كثير منهم بأخطائه حين يهاجم المقاومة الشعبية ومشاركة الأطفال والنساء وتصوير المسيرات والهتافات وتفاصيل الحياة والنشاطات الدولية أو يقلل من أهميتها يهاجمون العائلة المناضلة، ويحاولون تثبيط من يريد الاشتباك مع الاحتلال بأسلوبها، ويريدون من المصورين أن يتجاهلوا من اهتم بهم واعتاد استضافتهم ورفع مكانتهم وأشركهم في المقاومة وأبقاهم مطلعين على مجريات الأمور.
    لكن ماذا سيجني الحاسدون، إذ كل ما قد يحصلون عليه هو إعادة بعض من صحا من غفلته عن فلسطين وما يجري فيها إلى نومه، وإسكات بعض من ارتقى عن همومه واهتمامات أقرانه واهتم بفلسطين وبعهد ونشر رسائلها واعتبرها بطلته، تاركا الافتخار بأشخاص أكثر شهرة منها لكنهم بعيدون جدا عن فلسطين وعن المسجد الأقصى وعن المقاومة. وفي المقابل ضيع هؤلاء جهودهم وجهود غيرهم وأوقاتهم وفرطوا في كثير مما كانوا سيكسبونه شخصيا ووطنيا من عهد وشهرتها لو أنهم وقفوا معها ودافعوا عنها وفرحوا بتميزها وكثروا من أمثالها، وأتاحوا الفرص لعائلاتهم للمشاركة الدائمة بالوسائل المتاحة في مقاومة الاحتلال والاستيطان والجدار والعنصرية وفي الدفاع عن أرضهم وبيوتهم وفي التمسك بحق اللاجئين في العودة والتعويض، ولم يتركوا فرصة للطفيليات للتسلق على هذه الشجرة الطيبة وسرقة بعض ثمارها.
    أسأل الله أن يجعل كل إساءة لعهد في ميزان حسناتها، وحصنا يحميها من الاهتمام بآراء اليائسين والقانطين والمثبطين الذين يريدون الحصول على أفضل النتائج دون بذل الجهود والصبر والمصابرة والمرجفين ومن يلمزون المتميزين ويتهمونهم بالرياء ومن يسخرون ممن يقدم عملا بسيطا لأجل فلسطين، وأن يحمي عائلتها، وأن يحرر أخاها وجميع أقاربها، وأن يتقبل من قتله العدو من أقاربها شهداء يشفعون لها ولمن معها، وأن يجعلها سببا في تحرير كل الأسيرات والأسرى، وفي تحرير فلسطين كلها من بحرها لنهرها، وفي تحرير العقول من مخلفات الصهاينة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.