ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

هل التاريخ يعيد نفسه

هل التاريخ يعيد نفسه؟ إنه سؤال متشعب عصى على المفكرين من قبل الخلوص فيه إلى جواب قاطع، فالسؤال التاريخي للعبارة يعني إخضاع الحوادث التاريخية لقوانين، أو بعبارة أخرى: هو مذهب في دراسة التاريخ يقول بأن التاريخ مهما تباعدت الفترات التاريخية، فإنه يعيد نفسه ولو بصورة أخرى، على أنَّ السؤال ذاته يعد فرعًا من فروع الحتمية التاريخية.
يُعرّف ابن خلـدون التاريخ فيقول: «.. فإن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليها الركائب والرحال. وهو في ظاهره لا يزيد عن أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق».
وعليه فإن سبب وجود هذه النظرية (إعادة التاريخ لنفسه) هو متابعة المؤرخين والعلماء تاريخ وسير الدول والأمم والحضارات فوجدوها فعلا تمر بتلك المراحل، وفعلاً تتكرر الحوادث مع كل الدول السابقة تقريبا مع اختلافات ضرورية مثل الأماكن والأزمنة والأشخاص، فتوقفوا عند هذه النتيجة واعلنوا النظرية: “إن التاريخ يعيد نفسه”، ولم تسلم طبيعة البشر التي الأصل فيها الاختلاف لهذه النظرية، فانتقدت وبحثت وتوصل ناقدوها إلى النظرية المضادة: “إن التاريخ لا يعيد نفسه” كالمفكر كارل بوبر، وما أوصل أصحاب هذه النظرية المضادة لهذه النتيجة، إلا عدم اكتفائهم بالمتابعة والملاحظة واثبات هذا التكرار والإعادة التاريخية، بل تعدوا ذلك إلى دراسة الأسباب التي أدت إلى هذا التكرار فخلصوا إلى نتيجة مفادها “أن في الكون سننا وقوانين من أخذ بها تغير حاله وانتقل من وضع لآخر، وإن ترك الأخذ بها بقي على حالة، مما يفسر تطور بعض الحضارات ووقوف البعض الآخر أو تباطئه عن مسيرة البشر الحضارية”.
وفي القرآن الكريم إشارة إلى ديمومة الصراع التاريخي مع الكافرين كما في قوله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا) [البقرة: 217].
وعلى الجملة، فإن التاريخ ليس سرداً للأحداث ولا تسجيلاً للوقائع، ولكنه عرض لذلك كله مع التفسير والتحليل، واستخراج للعبر والدروس من هذه الأحداث، هكذا ينبغي علينا أن نفهم التاريخ كما فهمه أسلافنا؛ فملكوا الدنيا وخضعت لهم العرب والعجم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.