ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

ما فائدة مسيرات العودة؟

يتساءل الكثيرون عن فائدة مسيرات العودة، وقدرتها على تحقيق ما عجز عنه السلاح، وإلى أين ستقودنا..

بداية لا بد من التأكيد على أن تحرير فلسطين هو عمل تراكمي، فلا يوجد خيار حاسم نستطيع اتباعه ينهي الاحتلال ويستعيد لنا حقوقنا المسلوبة، فمسيرات العودة أو المقاومة الشعبية ليست بديلًا عن المقاومة المسلحة، والمقاومة المسلحة وحدها لا تكفي لمواجهة الاحتلال.

وهنا نذكر بتجربة مبعدي مرج الزهور، عام 1992م، عندما رفضوا قرار إبعادهم، وأقاموا مخيم العودة على الحدود اللبنانية الفلسطينية، ونظموا مسيرات عودة وأطلق جنود الاحتلال النار عليهم. وفي النهاية أجبروا الاحتلال على السماح لهم بالعودة لفلسطين، وكسروا عمليًا سياسة الإبعاد التي كان الاحتلال يمارسها بشكل شبه اعتيادي قبل تجربة مرج الزهور.

مسيرات العودة الكبرى هي مشروع شبيه مبدئيًا باعتصام مبعدي مرج الزهور، لكن على نطاق أوسع، وكان يجب القيام بها قبل سبعين عامًا بعيد النكبة، ووقتها كانت الأمور ستكون أسهل بكثير، لكن أن تبدأ متأخرًا خير من أن لا تبدأ.

وعند الكلام عن الفوائد التي تحققها مسيرات العودة فيمكن تلخيصها بالآتي:

أولًا:

تصحيح البوصلة الداخلية فلسطينيًا لأنه ضعنا في السنوات الأخيرة في متاهات الانقسام الفلسطيني، ونسينا صراعنا الأساسي مع الاحتلال الصهيوني، وحتى حق العودة لم يعد أحد يفكر به بشكل حقيقي منذ سنوات طويلة جدًا. قبل الطلب من العالم مساعدتنا من أجل عودة اللاجئين لا بد من أن نقنع أنفسنا بأهمية هذه الخطوة.

ثانيًا:

وضع العقل المقاوم الفلسطيني على المحك، فأكثر الناس يسألون ما الذي يمكن عمله من أجل العودة، عندما تطرح مشروعًا وتبدأ بتحريك الجماهير واعتصامات وفعاليات، سيبدأ الناس بالتفكير وابتكار الوسائل المقاومة بكافة أشكالها السلمية وغير السلمية. أما طالما نعيش حياتنا بشكل طبيعي، بدون التفكير بالعودة، فوقتها سنعتبر العودة لفلسطين أمر خيالي وغير ممكن.

ثالثًا:

بدأنا نلمس التعاطف العالمي مع قضية اللاجئين، وأعدنا طرح أمور غابت منذ سنوات عن الرأي العام العالمي، وأعدنا تذكير العالم بالمظلومية التي يتعرض لها ملايين اللاجئين الذين طردوا من أرضهم. لأنه بفضل أوسلو والمفاوضات تم تقزيم القضية الفلسطينية إلى دولة وعلم وإطلاق سراح الأسرى، وهي أمور على أهميتها، لا ترتقي لأهمية قضية اللاجئين التي غيبتها أوسلو والمفاوضات. طبعًا هنالك داعمون متعصبون للكيان الصهيوني مثل ترمب لكن هنالك قطاعات واسعة في العالم سمعنا لها مواقف جيدة، ونحن ما زلنا نتكلم عن مرحلة البداية في مسيرات العودة.

رابعًا:

قد يقول قائل أن التعاطف الدولي لا فائدة ولا أهمية له، وأننا لم نستفد منه طوال السنوات السابقة، وهنا يجب التأكيد على أمرين: مهما تعاطف معك العالم فلن يكونوا “ملكيين أكثر من الملك”، أي أنهم قد يساعدوك لكن لن يحاربوا الاحتلال نيابة عنك. والأمر الآخر هو أننا لم نستفد سابقًا من التعاطف الدولي لأن القيادة الفلسطينية لم تحسن الاستفادة، وبدلًا من تعزيز موقف أصدقاء الشعب الفلسطيني في الغرب، كانت ترتمي في أحضان اللوبي الصهيوني وتقدم التنازلات للاحتلال.

في المحصلة هنالك فرق كبير بين أن يقف كل العالم ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته، وبين تحييد جزء كبير من هذا العالم، وهذا غير ممكن بدون أن تعرف هذا العالم بمظلوميتك. وهنا نقطة هامة فالعالم يتعاطف كلاميًا مع المظلومين، لكن تعاطفه سيكون أقوى عندما يبادر هذا المظلوم لانتزاع حقه بيده، أما الاكتفاء بالبكاء والشكوى فهذه حصيلتها صفر مكعب.

خامسًا:

ما لدى المقاومة المسلحة في غزة لا يكفي لحسم أي حرب مع الاحتلال، هو يكفي لاستنزاف الاحتلال وردعه عن التفكير بإعادة احتلال غزة، أما أن تخوض حربًا جديدًا من أجل رفع الحصار عن غزة أو إعادة اللاجئين، فما زالت الفجوة كبيرة، وغزة لا تحتمل حروبًا جديدة. لهذا تأتي المقاومة الشعبية لتسد ثغرة هامة، وهي استمرار استنزاف الاحتلال، وهي ضرورة هامة لأنه بدون استنزافه،

فسيفكر الاحتلال بخطوته التالية: تشديد الحصار أو التوسع الاستيطاني أو تهويد الأقصى.

سادسًا:

في ظل غياب المقاومة المسلحة الحقيقية عن الضفة الغربية والشتات الفلسطيني والداخل المحتل عام 1948م، تصبح مسيرات العودة أداة مناسبة من أجل فتح جبهات جديدة لمقاومة الاحتلال، وللأسف فإنه لحد هذه اللحظة لم نلمس انتقال فكرة مسيرات العودة لهذه الساحات، وهذا يضعف بشكل كبير من فعاليتها.

في الختام:

مسيرات العودة ما زالت في بدايتها، وحتى تؤتي أكلها بشكل جيد، فيجب انتقالها إلى خارج غزة في كافة أماكن التواجد الفلسطيني، كما يجب استمرارها لفترة طويلة من أجل استنزاف الاحتلال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.