اشراقات أدبية

شيفرة القرآن

بقلم: عبد الرحمن نجم

نُخطِّئ في سليقتنا كثيراً مما نطقت به العرب قديماً، وما تَوَهُّمُ الخطأ في فصيح الكلام إلا مؤشر على الخلل في سلائقنا التي اعتادت اللحن وركيك التركيب، والحل أن نُقوِّم ألسنتنا على ميزان ما نطقت به ألسنة العرب في أخبارها وأشعارها، وليس على ميزان ما جرى عليه النطق بألسنتنا.
ولكأن السؤال الحاضر الآن: كيف نُصيب من فهم القرآن حَظَّ ما أصاب العرب الأولون منه؟ والإجابة كما يُشير علينا ابن خلدون لن تكون بغير قراءة أخبارهم وأشعارهم والنظر في معهود كلامهم وارتياضه في النطق والاعتياد عليه، حتى يصير من طول مُمارسته وتَعاهده عادةً وطبعاً في ألسنتنا كأننا نشأنا فيهم.
وبغير هذا مثلاً لن نبلغ غاية المُراد بكلمة (أُف) الواردة في القرآن العظيم: (فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً) التي ذكر الثعالبي في غُرة مؤلَّفاته “فقه اللغة وسر العربية” أنَّها من جملة ما يتولد عن الجسم من الأوساخ والأدران ومحلها الأذن، والأُفُّ من الأذن بمنزلة المخاط من الأنف، فيصير مَغزى مُراد الله في الآية: أي لا تقل لهما كلاماً وَسخ العبارة كأنه وسخ أذنين. وبهذا الإلمام في لغة العرب مَلَكنا أنْ نَفهم هذه الآية فَهْم العرب الأولين لها.
وإذا نحن قرأنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تُنكح المرأة لأربع؛ لمالها وجمالها وحسبها ونسبها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك”، بَلَغنا بلا التباس معنى (تَرِبَتْ يداك) لا كما يَتَعالم البعض ويَتَفاصح شططاً! وليس هو إلا من الكلام الجاري على ألسنة العرب تَقولُه ولا تُريد وُقوعه وهو من نحو قولهم: “لا أبا لك”؛ أي هو دعاء ظاهر أمره شر وباطنه خير غَلَبَ على ألسنة العرب قوله.
وعلى الجملة، فاللسانُ في الناس كقِسْمة الأرزاق بينهم، منهم الغني والفقير والوَسَط بينهما، وعلى الرغم من هذا فإنَّا لسنا في الحظ من ألسنتنا مُسيَّرين لا نَمْلك معها تَقويماً، فتعاهُدُ العقل وإعمالُهُ في مستقيم اللغة يُورث اللسانَ العربيَّ المبين، وإعماله في اللغة الرديئة يُورث في اللسان كلاماً عِوَجاً، وشَتَّان ما بينهما في الحال؛ فالأول مَصْروف إلى فهم القرآن، والثاني مَصْروف عن فهم القرآن، فانظر أي الرَّجُلين أنت!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق