خواطر

” عظيمة وشاقة مهمتك عندما تكونين ام لطفل مصاب باضطراب طيف التوحد”

الأمومة أعظم هبة خص الله بها النساء، وهي حلم كل فتاة، فمنذ الصغر ترسم في مخيلتها تفاصيل الأمومة، وتمارسها من خلال ألعابها ودُماها…

وأسعدُ ساعات للمرأة هي الساعات التي تتحقق فيها أحلامها وأمومتها المشتهاة، ألا وهي ساعات الولادة..

ولكن في بعض الحالات وبعد فترة قصيرة من الزمن؛ تتحول تلك السعادة إلى حزن وألم، وتسيطر مشاعر القلق والخوف على قلب الأم بسبب إحساسها بأن طفلها ليس طفلاً طبيعياً كباقي الأطفال من نفس عمره..

ولأن قلب الأم وإحساسها بطفلها لا يكذب أبداً، تبدأ بالتنقل بين عيادات الأطباء لمعرفة التشخيص الصحيح لحالة ابنها، وبعد رحلة شاقة ومعاناة طويلة للحصول على التشخيص الصحيح، تكتشف أنه مصاب باضطراب التوحد.. لتبدأ بعدها رحلة أطول.. وطريق شاقة وصعبة في البحث عن ماهية هذا الاضطراب، وطرق العلاج الناجعة مع طفلها..

وتزداد صعوبة الطريق بسبب قلة مراكز التشخيص والعلاج في بلادنا، ونُدرة الأخصائيين الحقيقين المختصين بعلاج اضطراب التوحد، وانتشار مراكز تجارية تدّعي أنها مختصة بالتربية الخاصة، وهي بعيدة كل البعد عن هذا التخصص، ولا يهمها إلا المتاجرة بهؤلاء الأطفال واستغلالهم لتحقيق أرباح مالية ومكاسب وأهداف شخصية ..

هنا يتجلى الدور العظيم للأم في تبنيها لعلاج طفلها بنفسها، وتتضح ضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقها عند تبنيها لهذا الدور العظيم في علاج طفلها من اضطراب لم تكن تعلم عن تفاصيله سوى اسمه فقط..

الأم الباحثة..

فتبدأ رحلتها في البحث والدراسة عن ماهية هذا الاضطراب وأسبابه وطرق العلاج المستخدمة، لتصبح بعد ذلك باحثة بل وتحصل فعليا على لقب باحثة بعد إجراء ابحاث ودراسات علمية جامعية عن هذا الاضطراب ..

الأم الشبكة.. 

ولأنها تعلم جيدا أن البحث والدراسة غير كافٍ للعلاج والتعامل مع طفلها؛ تستمر وتواصل الطريق في البحث، وتتصل بالخارج مع أخصائيين لتستعين بخبراتهم ، وتبحث عن أهالي أطفال مصابين بين بالتوحد وتتواصل معهم للاستفادة من تجاربهم مع أطفالهم، ولا تتردد أبداً في السفر عندما يستلزم الأمر ذلك..

الأم الأخصائية..

ولأنها تدرك أن الطفل الذي رُزقت به هو أمانةٌ كبيرة لديها.. لا تقف عند ذلك الحد، ولا تستسلم وتسلمه لمراكز تربية خاصة تجارية ربما تتسبب في تدمير طفلها بدل علاجه، بل تستمر في علاج ابنها بنفسها وتستثمر كل معلومة كبيرة كانت أو صغيرة حصلت عليها من خلال بحثها واتصالها لفترات طويلة، وتجرب بنفسها طرق جديدة للتعامل مع طفلها المصاب من خلال معرفتها بكل تفاصيل حياته، قد تخطئ أحياناً.. وقد تصيب أحياناً أخرى.. ولكنها تبقى في النهاية الأقدر على التعامل مع طفل يقضي كل وقته معها، والأصدق في بيان درجة تحسن طفلها فهي لن تكذب على نفسها مهما كانت النتيجة، وهي بذلك تصبح الأخصائية الأفضل لطفلها .

هي رحلة شاقة وطريقها صعبة وطويلة، وفي بداية الأمر قد تشعر الأم أن آمالها تحولت إلى آلام، وسعادتها تحولت إلى تعاسة، والفرح تحول إلى حزن، والأحلام تبعثرت وأصبحت سراب .. وفي بعض الحالات ربما تنهار من شدة الحزن والبكاء، لكن المرأة المؤمنة الصادقة تدرك أن هذا قدر الله، وهو اختارها على غيرها لتحمل هذه المسؤولية العظيمة وهو يعلم أنها تستطيع حملها، وتدرك أنها بالتوكل على الله والاستعانة به  والرضا بما وهبها إياه تستطيع تحويل هذه المحنة إلى منحة عظيمة.. وما يهون عليها قساوة الرحلة وطول الطريق هو يقينها التام أن  الابتلاء يخلفه الأجر العظيم، وأن بعد المشقة راحة ونعيم، وأن خلف الصبر أشياء جميلة تنتظر ..

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق