قصة قصيرة

احتضار ذكرى

ما أسرع أن تتبخر صنوف الصبر على بوابة الانتظار لترمي بشرر من سهام المجازفة ،، تسارعت خطواته مع مسير عقارب الساعة فلا يفصله سوى بضع خطوات عن مكانهما المعهود ،استنكر الأحداث الأخيرة ؛ غيابها المفاجئ دون مقدمات !إغلاقها لذاك الجوال !

اجتاحته هواجس غريبة ، احتضنت قلبه كفه الحانية ، وصلت قدماه لمبتغاها ، استندت شفاهه على جدار الصمت ، استغرب من وجود هذه الفتاة ، هذه مملكتهما الخاصة لا أحد يخترقها فكيف تجرأت تيك ، كاد أن يسألها بيد أن احتشامها صده فسخر من تفكيره ، أخذ لنفسه نظرة خاطفة ، كانت تحتضن الكتاب بين كفيها ومقلتيها تتربع على غلافه ،

ابتسم وهمس ” لا أعرف لماذا أغلب الفتيات تعشق القراءة ” رفع صوته قليلا ليشكل من بضع حروف عدة كلمات ” سأضع الرسالة هنا على أمل أن تقرأها نور عندما تصل ” علا رنين جواله فهمس بسرعة “سأذهب الآن ، لقد تأخرت عن صديقي ” تراجع للخلف عندما لمح الفتاة التي تبعد عنه ثلاث خطوات قبل هنيهة لا تبعد عنه الآن سوى خطوة واحدة ، تدحرجت أفكاره مع هرولتها ووقفت من هول الصدمة ، اكتفى بترديد ” غير معقول ” عدة مرات ، أمام ناظريه ارتمت في أحضانها كقطة شقية التقت بصاحبها بعد دهر ، بكت وشهقت ، صمتت

وبعدها اكتفت ب” مريم ، أنا أحبك في الله”،مسحت مريم على رأسها بحنية ” حبيبتي ؛

أحبك الله الذي أحببتني من أجله “همست بحب ” ينبغي الليلة ألا تنام ” احتضنتها بدموع الفرحة ” حبيبتي أتعنين أنك قرأت الكتاب ” همست ” نعم ومن الأمس قررت الركوب في قطار المتسابقين ” تمعنتْ غلاف الكتاب بحب ” سباق نحو الجنان ، يااااه ، شكرا بحجم السماء مريومة حبيبتي على هذا الإهداء الرائع وجزى الله الدكتور خالد أبو شادي الفردوس الأعلى وسأطلب منك بعد إذنك أن تنزلي معي السوق لنشتري جلباب ”

رفعت مريم حاجبها فابتسمت ” حبيبتي مريومة ، الذي أهديتيني إياه رائع لكني أريد آخر لأبدل فيهم “احتضنتها بود ” أفهم أنك ارتديتيه عن قناعة ” وعلى بعد أمتار كان كالأبله يقف مشدوها ” أهذه هي ، أين خصلات شعرها ، لماذا ترتدي هذا الجلباب ، لا يحق لها أن تفعل بي هذا ، يجب عليها أن تستشيرني أولا ” تزداد الخطوات بينهما وتزداد معها الفجوات هل يتركها هكذا بكل سهولة ” مستحيل” ركض خلفها ليستعيد فارق المسافات لكن قدماه لم تستطع المضي خطوة واحدة ، سارت نور وسارت بقلبها نسمة دافئة ،،

بين خضم الرسائل التي ابتلعها هذا الدرج الصغير ، التهمت هاتان العينان السطور فقرأت بتمعن ” حسام ،كنت تائهة في الصحراء أعياني التعب وظمأت حتى لاحت لي فى الحياة صديقتي الصدوقة مريم حسان وتسابقت معها للوصول للجنان ، لكن ما يؤلمني أنني تبت الآن بعد أن أنهكتني وأثقلت كاهلي الذنوب ، هل يمكن أن أسبقها للجنان وهي الفتاة الملتزمة منذ نعومة أظفارها ،

أسأل الله أن يغفر لي وأن يقبل توبتي ولأن إحدى شروط التوبة الإقلاع عن الذنب وعدم الرجوع إليه قررت أن أنقطع عن مراسلتك وترددت ، فهل سيغلبني ترددي وأنا تحت الثريا ، رجاء احرق كل مراسلاتي لك واحذف كل رسائلي عالجوال واحذف كل صوري معك علمت بتهديدك بنشر صوري بين أصدقائك لكني متيقنة أنك لن تفعل ذا بابنة خالتك ، أنا أعلم أنك تحبني ووعدتني بالزواج لكن هذه العلاقة محرمة عندما تخطبني فأنا حلالك أما الآن فاحذفني بلا عودة ،اقرأ أحاسيس الحروف في كتاب سباق نحو الجنان واحسم قرارك فأنت الحسام وأنا تحت الثرى أودعت حزمة المعاصي ونور الهداية سيسوقني بإذن ربي لأعانق الثريا ،

الفتاة ذات الرداء الأبيض ” تغيرات كثيرة طرأت على صياغة الرسالة كل مرة تبدأ ب”حبيبي وتنهيها بحبيبتك نور وحتى يستلذ بطعم النكهة كانت تضع بهارات المشاعر الفياضة بين السطور وتزين الغلاف بقبلتها” غاصت مقلتاه في الفراغ منذ أن تعانق عقربا الساعة قبل أن تجدل الشمس أشعتها بسويعات لهذه اللحظة أعاد شريط الذكريات هذا عشرات المرات إلى أن قفزت عيناه عندما فاجأته بضحكتها العنيفة” حبيبي سرحان في الشمس ” اعتلت ملامحه الصدمة

” لا أصدق !!نور أمامي! ” همست ” بشحمها ولحمها ، صحصح يا عمري” ضرب جبينه بكفه، رقصت عيونها وهي تتمتم ” ماذا هناك !!”رقدت جفونها عندما سمعت اسمها، التفتت حيث الصوت، استأذنت فأمسك يدها وقال” أرجوك نور لا تذهبي “ابتسمت ” حبيبي ، لحظة فقط”سحبت يدها بخفة ،ابتسمت لابتسامتها ، أمسكت بالكتاب وهي تتمتم ” حبيبتي العفو ”

التفتت إلى حيث تركته كان يمسك رأسه بكلتا يديه ، ركضت نحوه ” حسام ماذا بك” مع إصرارها على ألا يذهب للمحاضرة بسبب إعياءه إلا أنه كابر ” أنا بخير” تشابكت يداهما فرشقت بحبها وعطفها شغاف قلبه فهمس بحنية ” نور اسمعيني، إذا حصل لي مكروه فاقرأي هذه الرسالة ”

كانت هذه الرسالة تحمل في طياتها تكرار تلك الأحلام التي تراوده رفعت حاجبها ” حسام سأوهم نفسي أنني لم أسمع ” تكلم بجدية ” نور أنا مريض بال…” شهقت من الصدمة وابتعدت عنه فهمس ” نور أنا آسف لكني لم أكذب عليك ، هذا فقط من …” مزقت الرسالة أمامه وابتعدت تنوء بصمت يواسيه دمع عيونها ،

ذبلت خصلات شعرها التي تمردت من تحت غطاء شعرها المستعار ، جلست ترثي حالها ومآلها ، شعرت بيد حانية تربت على كتفها ، تسارعت دقات قلبها ، صرخت وبكل قوة إلا أن صرختها بترت في مهدها ولم تتعدى قلبها المكلوم ، وضعت كفيها على وجهها فسمعت حروفا باسمة من تيك التي احتضنتها ووضعت في حضنها كتابا ، رحلت تيك وكأنها جمعت كل ملفات الدفء فأخذتها معها ، بكت حتى تفطر قلبها ،

شعرت بالشفقة على الكتاب اليتيم الذي بللته دموعها ، نفضت دموعها فانبلج اسم الكتاب ” سباق نحو الجنان ” ضحكت بهستيريا ” يبدو أنها أخطأت في العنوان ” وضعته بجانبها فشاهدت كيسا زهري اللون فتحته وكانت المفاجأة صعقت ، أمسكت الكتاب فتحت الصفحة الأولى قرأت الإهداء مذيلا ب” لا تنس ذكر الله والصلاة على الحبيب ” ابتسمت بسخرية “الحبيب !! ” كان حسام حبيبي أما الآن ؟!! ”

ركض خلفها حبا ؛ وعندما هم بتقبيلها صفعته يد أسدلت ستائر عينيه ” آخر عبارة قرأها زوجا العيون في دفتر مذكراته، همست ” مريم أسأل الله أن يغفر لحسام ، تنبأ لي بالهداية ولم يشاطرني بها قبل منيته ، كان يكتب في مذكراته النصف الآخر لحكايتي “

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق