ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

إن لم تكن عثمان، فلا أقل من أن تكون أبا خيثمة.

من وحي غزوة تبوك

من وحي غزوة تبوك

كن أبا خيثمة..

إن لم تكن عثمان، فلا أقل من أن تكون أبا خيثمة.

أما عثمان فهو ذو النورين أمير المؤمنين س، لما نادى منادي رسول الله عليه الصلاة والسلام للتجهز إلى جيش العسرة، خرج بنفسه في الجيش، وبذل ماله لتجهيزه، حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ).

نعم، الأصل والمطلوب منك أن تكون مبادرًا كـ (عثمان)، لا تركن إلى الدنيا، ولا تغريك أثقال الأرض.

ولكن أينا لديه من الإيمان أن يكون كـ (عثمان)؟؟

أينا يكون ممن يسمع نداء (انفروا في سبيل الله) فلا تشدّه أثقال الأرض؟؟

لا أزعم أن أمثال هؤلاء مفقودون، ولكنهم نادرون، أما نحن فأثقال الدنيا تجذبنا، اثّاقلنا إلى الأرض، وغرنا متاع الدنيا، ونسينا أن متاع الحياة الدنيا في الآخر قليل.

ولكن الفرص لا تنتهي، فإن لم تكن كـ (عثمان) فيمكنك أن تكون كـ (أبي خيثمة) تستدرك ما فاتك، وتلحق بالركب.

أتدرون ما هي قصة أبي خيثمة.

كان أبو خيثمة من الأنصار، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما خرج جيش المسلمين إلى تبوك، في الغزوة التي سميت غزوة العسرة لما رافقها من مشقة وظروف قاسية، فقد جاءت في وقت حرٍّ شديد، وحالٍ ضيّق، وكان العدو فيها دولة عظمى، بعيدة الديار، فتخلف من في قلبه ضعف عن الخروج مع رسول الله ، وكان أبو خيثمة ممن تخلف.

بعد أيام من مسير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، رجع أبو خيثمة إلى منزله في يوم حارٍّ، فدخل حائطه والنخل مدللة بثمرها، وكانت امرأته مختضبة متزينة، وقد رشّت له العريش بالماء لتبرّده له، وهيأت له طعامًا وماءً باردًا.

نعم كانت زينة الحياة الدنيا حاضرة عنده، وأثقال الأرض تجذبه نحوها، ولكنه كان أبا خيثمة، الأنصاري، الذي تربى على مائدة رسول الله، والذي وإن غفل لحظة، وأدركه الضعف ساعة، فإنه لا يترك نفسه سادرّة في غيّها.

نظر أبو خيثمة إلى امرأته فأعجبته، ونظر إلى ما أعدّته له، فانتفض، نعم، هكذا هم أهل الإيمان، وصفهم الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف: 201].

ما الذي تذكره أبو خيثمة حينها؟

لقد تذكر حبيبه صلى الله عليه وسلم الذي يسير مع جيش أصحابه عبر الصحراء اللاهبة، تذكر أن هذا المتاع الذي أمامه هو متاع الحياة الدنيا القليل بجانب ما أعدّه الله تعالى في الآخرة لأهل طاعته.

فقال: هلكتُ وربِّ الكعبة، أصبحتُ في ظلٍّ بارد، وماءٍ بارد، وطعامٍ مهيَّأ، وامرأة حسناء، ورسول الله صفي الحَرّ والسَّموم، في عنقه السيف، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ما هذا بالنَّصَف.

ثم أخذ قراره من لحظته:

لن يدخل العريش المهيّأ، ولن يتمتع بهذا النعيم الزائل، ولن يركن إلى أثقال الأرض، بل سيسعى لاستدراك ما فات، واللحاق بركب جيش الرسول عليه السلام وأصحابه.

أخبر زوجته بذلك، وطلب منها أن تجهّز له زاد رحلته؛ تمراتٍ وإداوة ماء، ثم ركب بعيره وانطلق.

نادته امرأته وهو يرتحل: يا أبا خيثمة هَلُمَّ أكلمْك، فقال لها: والذي نفسي بيده لا ألتفت إلى أهلي، ولا مالي حتى آتي رسول الله ليستغفر لي.

ثم خرج يحثُّ الخُطافي طلب رسول الله صحتى أدركه بتبوك حين نزلها، وعندما دنا من معسكر المسلمين أشرف المسلمون ينظرون إليه، وقالوا: يا رسول الله! هذا راكب من قبل المدينة.

كان لهذا الراكب أن يكون أيَّ واحد ممن تخلفوا عن الجيش في المدينة، أو ممن تخلفوا عنه أثناء الطريق، فقد كان الذين يصيبهم الضعف يتخلفون أثناء الطريق، إذ ليس كل من سلك الطريق سيستمر فيها، ففيهم من سيتعب، ويجبن ويندم.

غير أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال حينها (كُنْ أبا خيثمة).

تخيلوا، رسول الله بنفسه الشريفة يأمل من الله تعالى أن يكون هذا القادم أبا خيثمة، علامَ يدلُّ ذلك؟

ألا يدلُّ على حبّ الرسول عليه السلام لأبي خيثمة؟!

ألا يدلُّ على معرفة الرسول  بمعادن رجاله الذين ربّاهم على يده؟!

ألا يدلُّ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدرك أن الإيمان الذي في قلب أبي خيثمة لن يتركه في انجذابه للدنيا وتركه الجهاد؟!

الذين قعدوا عن السلوك في طريق العمل في سبيل الله كثيرون، وكثير منهم هم ممن نحبهم ونحب أن يعودوا لهذا الطريق، وكثير من هؤلاء هم ممن نعرف معادنهم، ونأمل أن لا تخبو جذوة الإيمان في قلوبهم، ألا يشعر كل واحد منا عندما تكون هناك سبيل طاعة برغبة عارمة في أن يكون هؤلاء الذين يحبهم من سالكيه، فتراه يدعو بينه وبين نفسه: (كن فلانًا).

(كُنْ أبا خيثمة).

وهكذا كان، فقالوا: يا رسول الله! هو والله أبو خيثمة.

وأتى أبو خيثمة يبكي، ولا أدري أكان بكاؤه بكاء الحزن على ما فاته من أجر بتأخره عن الخروج مع الجيش أول مسيره، أم كان بكاء الفرح بأنه استدرك ما فات؟

عاتبه حبيبُه صلى الله عليه وسلم، وحُقَّ للمحبّ والمربي أن يعاتب من يحبّ من أتباعه على تقصيرهم لئلا يعودوا للتقصير، وهو عتاب الحريص على عدم تكرار الخطأ، لا عتاب المبكّت اللائم، فقال له: ما خَلَّفك يا أبا خيثمة؟ أولى لك.

(أولى لك)، كلمة كانت العرب تستخدمها للدعاء بالمكروه والتهديد والوعيد، كأنه يقول له: لقد دنوت من الهلكة يا أبا خيثمة.

فقال له أبو خيثمة: كدتُّ يا نبي الله أن أهلك بتخلفي عنك، وتزينت لي الدنيا، وتزين لي مالي في عيني، وكدت أن أختاره على الجهاد، فعزم الله علي بالخروج.

لم يحاول اختلاق المبررات، ولا الاعتذار، بل بكل بساطة اعترف بأن زينة الدنيا خدعته، وأنه كاد يختارها على الجهاد، فاستغفر له رسول الله ، ودعا له بالبركة والخير.

للأسف فإن كثيرين ممن يتخلفون من أحبابنا يزين لهم الشيطان أن تخلفهم لم يكن لركونهم إلى الدنيا، بل كان بناء على قناعات فكرية يحاولون ابتكار دلائل عليها، أو لفساد وانحراف عند القيادة يعملون على تضخيمه لتبرير قعودهم، وهؤلاء– الذين لا يعترفون بحقيقة ما دفعهم –للتراجع سيبتعدون أكثر فأكثر يومًا بعد يوم، حتى يصلوا لمرحلة يقتنعون فيها بما اختلقوه من أعذار ومبررات، وعندها لن يكون طريق العودة عندهم ميسّرًا كما كان عند أبي خيثمة.

كل واحد منا قد يكون مرّ بتجربة كتجربة أبي خيثمة، شدته الدنيا وأقعدته عن العمل، إما في مسيره كله، أو في بعض محطاته، فيا أخي الحبيب، يا من لا زالت نفسك اللوامة التي بين جنبيك تعاتبك على قعودك، ولم ينجح شيطانك في إقناعك بمبررات لذلك، حاول أن تكون أبا خيثمة، فالطريق للالتحاق بركب السالكين مفتوح، والاستدراك ممكن، فـ (كن أبا خيثمة).

 

م. عيسى خيري الجعبري

28/3/2018

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.