ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

تصفية مصطفى حافظ ..

من هو الشخص الذّي واجه مصطفى حافظ في الحرب الاستخبارية ؟

من هو الشخص الذّي واجه مصطفى حافظ في الحرب الاستخبارية ؟

لقد عملت الوحدة 101 وبعدها المظليون في إطار الحرب العملية على الأرض . ولكّن على الرغم من عمليات الإغارة التي كانت تنفذها الوحدات الصهيونية لم تتوقف عمليات التسلل ، رغم أن العمليات الإرهابية  التي كان ينفذها الجيش الصهيوني كانت لرفع معنويات المغتصبين والجنود الصهاينة .

وفي نفس الوقت كانت تدار حرب عقول وبخاصة على الجبهتين الشرقية الجنوبية .وقد قام ضباط الاستخبارات الصهيونية على رأسهم “ر” بدور عنيف في هذا الصراع العربي الصهيوني  .إن “ر”هو اليوم رجل مزارع  ,أمضى معظم حياته  في الجيش ,منذ أن تجند في السرية التابعة لقوات البلماخ في إطار جهاز “شاي “، وسلاح الاستخبارات الذّي تركه برتب عقيد. ويصفه الرجال الذين عملوا معه بأنه ذكي جداً وذو خبرة عظيمة.كان يعمل إلى جانبه أو معه ، ضابط برتبة رائد ، من الجيل الثالث في البلاد ، من أصل يمني ، خريج الكلية الاسكتلندية القدس المحتلة  .

هذا الرجل هو الذّي أنشأ شبكة التجسس في مصر التي اكتشفت وأثارت قضية ” الفضيحة” ،رجل عمليات ومهام خاصة ، مشتريات أسلحة ، ومهام سرية في إيران والعراق وغيرهما ، كان في 1956 في إجازة دراسية ، وكان يعمل ” كمقاول مستقل ” في إطار المهمة الخاصة التي كان يقوم بها (واليوم يعمل مستورداً للسيارات في حيفا ) .

طلب رسمياً من الاستخبارات في الشيخ مونس الآن ( تل أبيب ) ، بأن يسمحوا له لمعالجة موضوع عملية اغتيال الشهيد مصطفى حافظ ، وبعدها تولى مهمة البحث وتخطيط لعملية اغتيال  مصطفى حافظ ، في مطلع شهر آذار ١٩٥٦.

كان قائد الوحدة في الجنوب ” أبو نيسان ” مغتصب يعيش في القدس المحتلة . وشارك في الصراع العربي الصهيوني عام ١٩٤٨  في مناصب متنوعة . وفي نهاية الصراع كان قائد مجموعة في منطقة القطاع،  وهكذا تعرف على العمل الميداني في المنطقة . ومن ثم عمل في مناصب استخبارية مركزية ، وعمل إلى جانبه ضابطان آخران كضباط ميدان . الأول ” أبو سليم ” ، والثاني “صادق” كما عمل معهما ، ولكّن في اتجاه مختلف شيئاً ما ، الرائد أبو أساف ، والنقيب أهارون .

أبو أساف ، رجل طويل جداً ، من مواليد أحد كيبوتساتالأغور المحتلة ،حيث يسكن هناك حتى يومنا هذا ، وكان في الجيش الانتداب البريطاني ، وقاتل في شمال البلاد أثناء الصراع العربي الصهيوني عام ١٩٤٨   وأشغل أبو أساف ، مناصب استخبارية متنوعة ، وتسلم أخيراً منصب رئاسة جهاز الشاباك في الشمال ، ويعمل حالياً مزارعاً ورجل أعمال .

أما رجل الميدان الذّي كان يعمل معه فهو أبو أهارون ، تقيم عائلته في القدس المحتلة ، وهو خبير في حياة العرب في المنطقة .

هذا هو إذن الإطار البشري الأساسي الذّي كانت تدور داخله حرب العقول من تفكير ، وإعداد وتنفيذ ، طيلة أشهر عديدة. لا شك بأنه كان هنالك أشخاص آخرون شركاء في هذا السر ، وساهموا في هذه المهمة.


تصفية مصطفى حافظ :

كانت المشكلة التي تواجهها الاستخبارات الصهيونية تكمن في طريقة تسليم مصطفى حافظ ” الشيء ” الذّي سيكون أداة لقتله ، واضح بالطبع البداية أنه لن تستخدم طريقة الاغتيال بإطلاق النار عليه ، ولا عملية كوماندو كلاسيكية .

في البداية ، جرى الحديث حول إرسال طرد بريدي من غزة ، لكّن هذه الفكرة أسقطت ، إذ لم يكن من المعقول أن يرسل طرد بريدي من غزة إلى غزة ، سيثير الشبهات ، كما استبعدت فكرة إرسال سلة فواكه كهدية ، إذ ربما ذاقها شخص آخر قبل مصطفى حافظ .

بعد استبعاد عدة أفكار بقيت فكرة واحدة واضحة : هي يجب أن يكون الشيء المرسل مثيراً جداً للفضول ، ومهماً جداً لمصطفى حافظ ، لكي يجعله يتعامل به شخصياً . ” شيء” يدخل ويصل إليه مخترقاً طوق الحماية الذّي ينسجه حول نفسه .

طرأ تقدم كبير وهام في الخطة ، بعد طرح فكرة نقل هذا ” الشيء” إلى مصطفى حافظ بواسطة عميل مزدوج ، كان العميلُ رجلاً بدوياً في الخامسة والعشرين من عمره ، يصفه أبو نيسان بأنه نموذج للخداع والمكر ، كان الرجل يدعى (طلالقة) ، وعمل مع الاستخبارات الصهيونية مدة طويل ، وكان المسؤولان عن تشغيله ، صادق وأبو سليم . لم يكن (طلالقة) يعرف أن مستخدميه الصهيونيين يعرفون بأنه عميل للمصريين . لقد تأكد الصهيونيون من حقيقة كون ( طلالقة) عميلاً للمصريين (مزروعا من قبلهم) بعدما طلب منه مستخدموه الصهيونيون معلومات عن ترتيبات الحراسة حول منشأة مصرية معينة في قطاع غزة . وفي اليوم الثاني ، أبلغت نقاط المراقبة التي وضعت خصيصاً لهذه الغاية بأن الحراسة على المنشأة المعينة ضَعُفت . كان واضحاً أن طلالقة أبلغ مستخدميه المصريين بأن الصهاينة طلبوا معلومات عن المنشأة .

وهكذا اختبر الصهيونيون طلالقة عدة مرات وتبين لهم بأنه عميل مزدوج من قبل المصريين بشكلأكيد ، ومع ذلك يقول أبو نيسان ، أنّ قائد الوحدة في الجنوب حول طلالقة ، مع مرور الوقت ، إلى عميل مزدوج كامل وحقيقي ، وبدأ يزود الصهيونيين بمعلومات أكيدة وصحيحة بدون علم مستخدميه المصريين ، وبدأ يدرك أنه عميل محترف وأنه يلعب على الحبلين ، وبنفس الوقت كان واثقاً بأن الصهيونيين لا يعرفون بأنه عميل مزودج للمصريين .

وبعد أن تقرر أن يتم إرسال ” الشيء” إلى مصطفى حافظ بواسطة طلالقة ، بدأ التفكير بمضمون هذا الشيء ، واستقر الرأي أن لا تكون ” الرزمة” المرسلة معنوية مباشرة إلى مصطفى حافظ ، إنما إلى شخصية محترمة في قطاع غزة ، وأن يثير الصهيونيون لدى طلالقة الانطباع بأن هذه عملية خارجة عن المألوف ، وأنهم سلموه رزمة أو طرداً ذا أهمية بالغة جداً بالنسبة للصهاينة ولنفس هذه الشخصية الغزاوية .

كان الصهيونيون يفترضون ، من خلال معرفة طبائع طلالقة ، بأنه لن يقاوم رغبته الفضولية وسيأخذ حتماً الطرد مباشرة إلى مكتب مصطفى حافظ ، عندئذ بقي شيء واحد هو: من تكون الشخصية المحترمة في غزة ؟

يقول قائد الوحدة في الجنوب :” تذكرنا أن اسم قائد شرطة غزة هو لطفي العكاوي ، وإنه يوجد لدينا في الأرشيف بطاقة زيارة له. لذا قررنا أن يكون هو ” الشخصية” .

كانت الخطة على النحو التالي : يتسلم طلالقة ( العميل المزدوج) الطرد لكي يرسله إلى عكاوي ، ويتم إبلاغ طلالقة بأن عكاوي يعمل لصالحهم بواسطة جهاز اتصال مشفر ( يعمل بالشيفرة) ، ويرغبوا  الآن باستبدالالشيفرة لأسباب أمنية ، وأن الطرد يحتوي على كتاب يشتمل على الشيفرة الجديدة ، وهو مشفر جيداً ، وعلى طلالقة تسليم الطرد إلى عكاوي ، وأنه تم اختياره لهذه المهمة لأنه من أفضل وأخلص عملائهم .

في تلك الأثناء حدثت أمور في قيادة الوحدة في الشيخ مونس   ، كانت المشكلة الرئيسية بعد بلورة الخطة ، هي الحصول على موافقة رئيس هيئة الأركان العامة وأمر تنفيذي خطي . في البداية لم يكن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية يهوشفاطهركابي موافقاً على الخطة خشية حدوث فضيحة جديدة على غرار ” فضيحة” مصر .

تجدر الإشارة إلى أن الطرد كان جاهزاً ، فقد أشرف على تجهيز الطرد الملغوم ” ج” وهو عضو كيبوتس في المنطقة الوسطى ، الذّي اكتسب خبرة عالية في إعداد الطرود الملغومة .وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنه حتى ذلك الوقت لم ينفذ الجيش الصهيوني ، أو أيّة فروع أخرى في جهاز الاستخبارات الصهيونية عمليات من هذا النوع .

كانت منظمتا أيتسل ليحي من لندن معنونا إلى ضابط الشرطةالسرية البريطانية ، روي بارن ، غير أن الطرد فتح من قبل شقيقه ركس ، وكان طالباً في الجامعة عمره 25 سنة ، وقتل فوراً .

بعد أن أصبح الأمر التنفيذي مصادقاً عليه رسمياً ، وأصبح الطرد الملغوم جاهزاً ، لم يبق الآن سوى تنفيذ الخطة ، نقل الطرد إلى القاعدة الجنوبيةفي بئر السبع . ومنذ تلك اللحظة ، لحظة وصول الطرد إلى بئر السبع ، أصبحت مسؤولية متابعة المهمة ملقاة على رجال القاعدة.

يقول قائد القاعدة أبو نيسان : “طيلة اليوم ، عندما كنا جالسين مع طلالقة ، حاولنا إقناعه بأننا محتارون في أمره ، فقلنا له لدينا مهمة بالغة الأهمية لكننا غير واثقين أو متأكدين من قدرته على القيام بها”.

وهكذا حتى شعرنا بأن الرجل أصبح مستفزاً تماماً . عندئذ في ساعات الظهر تقربياً ، قلنا له : حسناً رغم كل شيء ، قررنا تكليفك بهذه المهمة .استمع ، يوجد لنا رجل مهم جداً في القطاع ، هو عميل لنا .

ها هي بطاقة زيارة تسمح لك بزيارته ، وهي مقصوصة من طرفها كعلامة تشخيص وتعرف . أره البطاقة وقل له : “أخوك يسلم عليك” .

كانوايواجهون مشكلة نفسية كيف يمنعون طلالقة من فتح الطرد ، وللتغلب على هذه المشكلة أرسلوا أحد الضباط إلى بئر السبع لشراء كتاب مشابه ، أدخل صادق الكتاب على طلالقة وقال له : ” هذا هو الكتاب ، يحق لك تفقده ، ومشاهدته ، وبعد أن شاهده ، أخذه منه صادق وخرج من الغرفة . ثم عاد وبيده الكتاب الملغوم وسلمه إلى العميل .

لكن طلالقة ، لعب اللعبة بكل برود ، على الرغم من بريق عينيه عندما تساءل : ولكن كيف ستعرفون أن الكتاب وصل ؟ ورد عليه صادق بقوله : ستأتينا الرياح بالنبأ.

فهم طلالقة من ذلك أنه عندما يبدأ العكاوي بالإرسال ، حسب الشيفرة الجديدة ، سيعرفهنا الصهيونيون أنه نفذ المهمة ، وعندما حل الظلام خرج صادق ، وطلالقة في سيارة جيب باتجاه ناحل عوز ، ورافق صادق العميل إلى نقطة قريبة من الحدود ، حيث ودعه هناك ، واختفى طلالقة وسط الظلام ، غير أن صادق استطاع رؤيته من خلال الأفق بأنه يشق طريقه مباشرة إلى قطاع غزة ، بدلا من أنيتجه إلى الجنوب الغربي إلى مكان إقامة لطفي العكاوي ، كان الطرد في طريقه إلى مصطفى حافظ .

إن ما حدث بعد خروج طلالقة ، يمكن أن نعرفه من خلال ما ورد في تقرير لجنة التحقيق المصرية ، إلا أن الوثائق تم الإستيلاءعليها من قبل جيش الاحتلال .

في ١١ تموز ، في ساعات المساء الأخيرة ، جلس مصطفى حافظ على كرسي في حديقة قيادة الاستخبارات في قطاع غزة ، وكان قد عاد قبل يومين فقط من مصر ، كان حافظ يتحدث مع أحد عملائه ، وإلى جانبه إثنان من مساعديه : الرائد فتحي محمود ، والرائد عمرو الهريدي ، وفي نفس الوقت وصل إليهم طلالقة .

طلب طلالقة التحدث إلى المسؤول عنه مباشرة ، أو مع مصطفى حافظ نفسه ، بحث الحراس عن المسؤول المباشر النقيب يوسف عزب ، لكنهم لم يجدوه في البناية ، وأخيراً عثروا عليه بواسطة الهاتف ، وقال لهم أنه لا يستطيع العودة إلى الدائرة ، واقترح أن يقابل مصطفى حافظ نفسه العميل ، عندما خرج الجندي المصري لإبلاغ حافظ بالأمر ، نهض حافظ ودخل إلى المبنى وبرفقته الرائد الهريدي.

وصفت لجنة التحقيق سليمان الطلالقة ، كأفضل عميل لمصطفى حافظ ، إذ خلال الاسابيع الستة التي سبقت ذلك المساء  نفذ طلالقة ست مهام كلفه بها مصطفى حافظ في الكيان الصهيوني ، وعندما تسلم الكتاب بالإنجليزية من المخابرات الصهيونية ، اجتاز الحدود فوراً إلى قطاع غزة ، كان يعرف المنطقة والمواقع المصرية ، وصل إلى أقرب موقع مصري بقيادة الملازم أول فرج اسماعيل ، وطلب الاتصال فوراً مع مكتب الاستخبارات في غزة ، كما طلب من القائد أن يطلق في الهواء ٣٠_٤٠ طلقة ، كي يعتقد الصيهونيون بأنه قتل ، أو ألقي القبض عليه .

ويضيف التقرير : غير أن اسماعيل رفض إطلاق النار في الهواء ، وطلب منه طلالقة ، الاتصال بقائده للحصول منه على إذن بإطلاق النار .

كان خط الهاتف معطلاً ، وتطوع الملازم الأول ، بنقل طلالقة إلى غزة ، وفي غضون وقت عصير وصلا إلى مبنى الاستخبارات .

بدت القصة التي رواها طلالقةأمام مصطفى حافظ حساسة ومعقدة . كان قائد الشرطة عكاوي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمكتب الاستخبارات العسكرية ، وكان حافظ يعتمد عليه في كل شيء ، ورغم ذلك تذكر حافظ الشكاوي التي كانت ترد إليه والتي يدعي أصحابه أن عكاوي يسلم معلومات إلى الكيان الصهيوني ، ويتاجر بالحشيش المهرب ، وتم التحقيق مع عكاوي ، لكنَّه نفى هذه التهم ، وادعى بأن أقرباء أولئك الذين يرسلهم إلى السجن ، يلصقون به التهم الباطلة هذه بهدف الانتقام .

وجد حافظ نفسه أمام معضلة ، كان طيلة السنوات الماضية يدافع عن عكاوي ، والآن أصبحت لديه دلائل قاطعة كمايبدو لإدانته ، طلب حافظ من الهريدي مرافقته، وجلسا وقتاً طويلاً وهما يتناقشان ، وعند عودتهما ، طلبا من طلالقة أن يروي القصة من بدايتها مرة ثانية ، وروى طلالقة القصة ، وعندما أنهى سرد القصة حاول إقناع حافظ بعدم فتح الطرد ، واقترح إرساله إلى عكاوي ، ووضعه تحت المراقبة ، لكّن حافظ لم يستجب له.

يفيد تقرير اللجنة المصرية أن حافظ كان يريد أن يفتح الطرد ، يطالعه ، ثم يغلفه مرة ثانية ، ويرسله إلى عكاوي .

أزال حافظ الغلاف دفعة  واحدة ، وعندئذ سقطت على الأرض قصاصة ورق ، انحنى حافظ لالتقاطها ، عندئذ وقع الانفجار . دخل الرائد فتحي محمود مع جنود الحرس من الخارج ، ليجدوا ثلاثة أشخاص مصابين بجروح بليغة ، ونقلوا فوراً إلى مستشفى تل الزهر في قطاع غزة.

وفي تمام الساعة الخامسة صباحاً ، توفي حافظ متأثراً بجراحه وبقي الرائد الهريدي معاقاً طيلة حياته بينما فقد طلالقة بصره .

بعدالحادث ، سارع مدعي عام قطاع غزة ، حسن ساري باعتقال عكاوي ، بعد أن سمع قصة ما حدث من الهريدي في المستشفى ، ولم يعثروا على شيء في بيت عكاوي أو في مكتبه ، ونفى أيّة صلة له مع الصهيونيين ، وعندما سألوا عن بطاقة الزيارة ، قال: إنهم قصوا الزاوية التي اعتاد أن يكتب عليه اسم الشخص المقصود بالتحية ، وتم إطلاق سراحه.

كما أن المصريين لم يمسوا طلالقة أيضاً ، وجاء في التقرير الذّي رفع إلى عبد الناصر أن الحادث كان عملاً شيطانياً من تدبير المخابرات الصهيونية . فقد استغل الصهيونيون غباء طلالقة وجعلوا منه أداة لتنفيذ هذه المهمة الحقيرة ،وأكد التقرير أن طلالقة لم يدرك أبداً المهمة ، لذلك سارع في حمل الطرد الملغوم إلى مصطفى حافظ ، وأبدى التقرير أسفه على أن حافظ رغم خبرته وحذره الشديد ، أغراه الصهيونيون بفتح الطرد بنفسه.

لقد نشر أول خبر عن الاغتيال ، في صفحة داخلية من صحيفة الأهرام القاهرية ، في ١٣تموز١٩٥٦. كانت صيغة الخبر :” قتل البكباشي ( العقيد) مصطفى حافظ ، نتيجة ارتطام سيارته بلغم في قطاع غزة” . وقد نقل جثمانه إلى العريش ومن هناك نُقل جواً إلى القاهرة . وجاء في النبأ أيضاً : ” كان حافظ من أبطال حرب فلسطين . قاتل من أجل تحريرها ، ولقد سجل التاريخ لصالحه أعمالاً بطولية .فقد زرع اسمه الرعب في الكيان الصهيوني ” .

بينما بعض الصحف الصهيونية أضافت إلى هذا النبأ الوارد من القاهرة ، بعض التعليقات والتلميحات بأن عملية الاغتيال نفذها لاجئون فلسطينيون ضدّ الرجل الذّي أرسل فدائيين كثيرين إلى حتفهم في الكيان الصهيوني ، ثم جاء تأميم قناة السويس من قبل جمال عبد الناصر ، بعد خمسة أيام فقط ، ليدفع بموضوع اغتيال حافظ إلى الهامش . وفي تلك الأثناء كانت عملية سيناء قد بدأت تتبلور . وهكذا بدأت الأحداث تتلاحق بسرعة مثيرة الأمر الذّي غطى على مايمكن وصفه بإحدى القضايا المثيرة ، الذكية ، والناجحة جداً في تاريخ الاستخبارات الصهيونية .

وأوضحت الاستخبارات الصهيونية ، أن حافظ لم يقتل بواسطة لغم ، إنما قتل بانفجار طرد ملغوم نقل إليه بطريقة ذكية بعد أن فشلت محاولات عديدة أخرى للوصول إليه ، وبعد أن توصلالكيان إلى استنتاج قاطع ( ثبتت صحته) أنه بهذه الطريقة فقط يمكن وقف عمليات القتل والإرهاب الذّي زرعه الفدائيون داخل الكيان .

وكانت حقيقة وقوف الكيان وراء عملية قتل مصطفى حافظ معروفة جيداً لدى المصريين ، رغم أنهم لم يعترفوا بذلك أبداً .

كما أن التفاصيل لم تنشر ليطلع عليها الجمهور المصري حتى بعد إطلاق اسم مصطفى حافظ على أحد شوارع الاسكندرية ، وإقامة نصب تذكاري له في أحد الميادين الرئيسة في قطاع غزة . غير أن من كان يهمه الاطلاع على الحقيقة كان يستطيع قراءة تقرير لجنة التحقيق الخاصة التي شكلها عبد الناصر ، والتي تضم كافة التفاصيل الخاصة بهذه القضية . وتم العثور على تقرير اللجنة التي استولى عليها الجيش الصهيوني في قطاع غزة بعد عملية سيناء . وكذلك الاحتلال لم يعترف آنذاك بمسؤوليته عن عملية الاغتيال ،

إلا أنه في عام ١٩٩٣  انتظر الكيان الصهيوني ٣٨عاماً ليعلن عن مسؤوليته عن اغتيال الشهيد مصطفى حافظ ،

الذّي حمل ملفه في الموساد اسم ( الرجل الظل).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.