ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

التصوف.. زهد شُوِّه لشذوذ عقدي

بقلم: عبد الرحمن نجم

مقدمة
حقيقٌ بقارئ التاريخ، أو بمعنى أدق “التأريخ”، أن يتعاطى الدرس التاريخي الطويل على نحو متصل في الوحدة الزمنية حين النظر فيه؛ بحيث ينظر إلى العصور المتلاحقة على أنها نسيج واحد متصل، آخذٌ بعضه برقاب بعض، وعلائق وقائعية ترتبط أسباب أحداثها ببعض على ما لكل عصر من خصوصية اجتماعية وثقافية وتاريخية وسياسية ينماز بها عن سواه.
وإننا حين نطلب الحقيقة التاريخية للحدث، فإننا نعالج التاريخ من الوجوه التي أدت إلى ما صار إليه الحدث، مع العلم أن الحقيقة التاريخية لكذا من الأحداث أمر عسيرٌ الوصول إليه.
ذلك لأن الحدث المراد الوقوع على حقيقته ليس معرفة تجريبية مُحَسَّةً بالجوارح، مُفْطَنًا إليها بالتجارب كقوانين الفيزياء، ولا هو معرفة افتراضية قامت على الاحتمال.
والذي نبغي الإشارة إليه، والتنبيه عليه، أن الحدث التاريخي معرفة نَقْلية مَرْويَّة، استقرت لنا بعدما جَازَت عقولًا أخرى غير عقولنا، في أزمان غير أزماننا، بأحوال شتى.
فإذا تسلح القارئ بهذا الناموس العلمي الذي نعني به قراءة الحدث التاريخي على شرط الشمولية للعصور التي سبقت هذا الحدث والتي تلت الحدث، ذلك لأن التاريخ يُعيد نفسه (الحتمية التاريخية)، فإذا تم هذا للقارئ النبيه فإنه لا جرم آخذ بطرف خفي مما يفحص عنه.

أساس التسمية
يكاد ينعقد إجماع الباحثين على أن أصل كلمة “الصوفي” و”الصوفية” لا يُعرف له أصل محدد، أو مصدر اشتقاق معين؛ فَيذهب بعض المؤرخين إلى أن لفظة “الصوفية” أتت لصفاء أسرارها، ونقاء آثارها.
بينما رأى آخرون أن “الصوفي” إنما هو مَن صَفَت لله معاملته، فصفت له من الله عز وجل كرامته.
وقال آخرون إنما سُموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله عز وجل؛ بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم عليه، ووقوفهم بسائرهم بين يديه.
على حين أن آخرين زعموا أنهم إنما سُموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف “أهل الصُّفَّة” الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال قوم: إنما سموا صوفية للبسهم الصوف.
وأيًّا كان الصحيح من كل هذه الآراء المتقاربة، فإن أصلهم لا يعنينا كثيرًا؛ لعدم ترتب أية حقيقة تاريخية، أو إخفاء حدث هام على الجهل بأصلهم.

النشأة الفعلية
برز التصوف كأحد مظاهر الزهد في الدنيا، والانقطاع عن الناس بمفهومه العام في عهد النبي صلى الله عليه، ومن بعده التابعين.
على أن التصوف الحقيقي بدأ على وجه اليقين في القرن الثاني الهجري أيام الدولة العباسية؛ كرد فعل على حالة الترف الاجتماعي إثر امتلاء خزائن الدولة بالأموال.

المجتمع البغدادي
فيما عَرف العرب في الجاهلية حياة الخشونة والبداوة والترحال، وكانت لديهم النزعة العقلية الخاصة بهم، فإنهم بعد دخول الناس في دين الله أفواجًا بالفتوحات الإسلامية، ثم بنقل الخلافة إلى العاصمة بغداد، ورثوا ما في الأرض من حضارات سياسية كلدانية، وآرامية، وبيزنطية، ويونانية، وحضارة مصر القديمة، ففاض المال، وكثر الأغنياء.
وفيما كانت العلوم اليونانية، والعقل اليوناني من بواعث التصنيف والاشتغال بالعلوم، فإن التصوف والزهد والحكمة تَأثَّرا أكثر ما تَأثَّرا بالعقل الهندي.
ولدراسة نشأة التصوف، لا بد من دراسة المجتمع البغدادي من كثب؛ فالمجتمع البغدادي كثر فيه المال والجواري والقيان، فابتعد العامة عن دين الله؛ ففشت الفواحش، والانحلال الخلقي، والمجون الشعري أمثال: أبي نواس، وبشار بن برد، ومسلم بن الوليد.
وانتشرت الحانات والخمارات التي صَرف الناس إليها هِمَّتهم لشرب الخمر واللهو.
ونحن حين نصف المجتمع البغدادي، وما اعتراه من تكالب الناس على الدنيا، لا نغفل أن المساجد كانت تغص بالمصلين والمصلحين والنُّساك الذين كان بعضهم يقتحمون قصر الخلافة ليعظوا الخليفة كعمرو بن عبيد، وصالح بن عبد الجليل، وابن السماك.
كان الوعظ يلتحم بالقصص لأخذ العبرة، فكان الخلفاء يستوعظون الصالحين، ويبكون من خشية الله، وبعد انتهاء الموعظة تعود أمورهم إلى سابق عهدها، وكأن شيئًا لم يكن!
ومع هذا التفسخ الديني، والتفاحش الاجتماعي، صَرفتْ فئة من المجتمع نفسها إلى التزهد باعتزال الناس، والعيش الخشن في المأكل والمشرب والمَلبس والمركب، لتأتي بعدهم أقوام أخذوا بالتشديد على أنفسهم، مدخلين عقائد مُغالية تخالف دين الله.

الزهد غير التصوف
يعتبر كثيرون أن الزهد مرحلة انتقالية أدت إلى ظهور التصوف في القرن الثاني الهجري، ومنهم ابن الجوزي الذي فرق بين الزهد والتصوف، غير أن الصوفية انفردوا عن الزهاد بصفات وأحوال خاصة.
وفي الجملة، فإن ثَمَّ فروقًا أساسية بين الزهد والتصوف، والدليل على استقلالية نشأة الزهد عن التصوف هو استمرار الزهاد.
وقد عاب أبو حامد الغزالي على زهاد عصره مغالاتهم في الصلاة والصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر احتسابًا، وتشديدهم في أعمال الجوارح، إلا أنه أيضًا عاب على الصوفية في عصره صفات تُضاد ما اشتهر به الزهاد.
فعاب على الصوفية المنكرين للفرائض؛ بدعوى وصولهم، مما يدل على أن الفارق جوهري بين الطائفتين في المعتقدات والسلوك، فالزهاد يتشددون في الصلاة، بينما الصوفية ينكرونها لأنهم جزء من الله.

الابتداع الصوفي
يعتقد المتصوفة في الله عقائد شتى؛ منها “الحلول” الذي يعني أن يكون الصوفي إلهًا وربًّا يعلم الغيب كله كما يعلمه الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الهدف الصوفي هو الوصول الى مقام النبوة أولًا، ثم الترقي حتى يصل الفرد منهم في زعمهم إلى مقام الألوهية والربوبية.
وتعد عقيدة الصوفية في النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالغة الغرابة؛ ذلك أن بعضهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصل الى مرتبتهم وحالهم، وأنه كان جاهلا بعلوم رجال التصوف كما قال البسطامي: “خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله”!
بيد أن فئة أخرى منهم تُؤلِّه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فتُنزله منزلة المعبود، فهو عندهم قبة الكون، وأنه أول موجود، وهو الله المستوي على العرش، وأن السماوات والأرض والعرش والكرسي وكل الكائنات خُلقت من نوره.
ويؤمن المتصوفة أن العبادات من نحو صلاة وصوم ..إلخ عبادات العوام، وأما هم فيسمون أنفسهم الخاصة.
ولئن كانت العبادات في الاسلام لتزكية النفس، فإن العبادات في التصوف هدفها ربط القلب بالله تعالى للتلقي عنه مباشرة، والفناء فيه، واستمداد الغيب من النبي صلى الله عليه وسلم، والتخلق بأخلاق الله حتى يقول الصوفي للشيء كن فيكون، ويطلع على أسرار الخلق.
وليس مهمًا عند المتصوفة أن تخالف الشريعة الصوفية ظاهر الشريعة الاسلامية؛ فالحشيش والخمر واختلاط النساء بالرجال في الموالد وحلقات الذكر كل ذلك لا يهم لأن للولي شريعته تَلقاها من الله مباشرة.

خاتمة
والحق الذي لا مراء فيه أن كبار أهل التصوّف يؤكدون أنه لا يُقبل من صوفي حال ولا مقال ما لم يوافق الكتاب والسنة، وقد شذّ قوم منهم عن هذه القواعد، وابتدعوا ما لم يأذن به الله، وهذا عيب على المبتدعين لا على الصادقين من أهل التصوّف؛ فإنه ما من جماعة إسلامية إلا وشذّ فيها جماعة، ولا يجوز تحميل ذنب الطالح للصالح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.