اشراقات أدبيةقصة قصيرة

قلت في نفسي .. أذا نقلت من أجل وفود جدد قادمين للتحقيق فلا بد أن نصف الشعب الفلسطيني مستضاف هنا !!!

42 يوم لدى السلطة لم تكن شفيعة لي ، لم أكد أكمل 48 ساعة للإفراج عني من معتقلات السلطة حتى اقتحم الاحتلال منزلنا وحاصره وشرع بالتفتيش والعبث بمتحوياته كانت الساعة الواحدة والنصف فجرا ايقظوا اهلي من النوم وبدأو بالتحقيق معهم والسؤال عني لإني لم اكن متواجد بالبيت ولا حتى بالمخيم !!
فقام الكابتن المسؤول عن المخيم باعتقال والدي مطالبني بتسليم نفسي لم يكن أمامي سوى خيارين لا ثالث لهما اما المطاردة او أسلم نفسي اخترت الخيار الأخير بعد أن راودني امل أنهم سيفرجون عني او على الاقل سيقومون بتحقيق بسيط ثم لا البث حتى أرى نفسي خارج هذه الجدران الميتة عائدا إلى اهلي ومخيمي قطع علي رفيف آمالي الضابط وهو يشدني من يدي حتى اعتقلني طلبت منه لآخر مرة ان أودع والدي وما ان انتهيت حتى سلمني إلى جنود آخرين تفاهم معهم بطريقته الخاصة ويبدو أن قال لهم كل شيء تمام يمكنكم الانطلاق وما ان استلمني الجنود حتى قيداني وشدا الوثاق على عيني لأول مرة توضع القيود في يدي بهذه الطريقة وصدقا شعرت بقدر كبير من الإهانة …
كانت دمعة على وشك النزول لولا اني عاجلتها بالكتمان !!
كان هناك العشرات من الجنود والكثير من الآليات العسكرية لم اكن اعلم اين ستتجه بي ثم سارت بطريقها للعودة والجنود فريحين يغنون ميخابيل اي تعني المخرب تركت كل شيء خلفي أحلامي وطموحاتي وأمنياتي لاح لي المخيم من بعيد حين رأيته من خلف الجدار هاجت عاصفة من المشاعر بداخلي وشعرت بعاطفة جامحة اتجاه هذه القلعة الصامدة التي قدمت أبنائها شهداء وأسرى تركت المخيم خلفي ومضيا قدما باتجاه الأراضي المحتلة ، شعرت بالقيود تحز يداي وتؤلمني ألما شديدا ،
نظرت باتجاه الجنود ذو البدل العسكرية المبرقعة .. ففهموا ففكوا القيد عن معصمي فبان إثر القيد وقد جو اليدين وترك أثرا عميقا مختلطا ببعض الدم … اكلمنا المسير فكانت الآليات العسكرية تقصد مركز تحقيق عسقلان ، تجاوزنا بعض الحواجز دخلنا إلى احدى الساحات نزلنا جميعا قادوني إلى داخل المبنى اجتزنا ممرا طويلا تصطف على جانبيه مكاتب المخابرات وضباطه ،
وفي نهاية الممر استلموا اغراضي مني او حتى سلبوها مني وأجبروني على أن أفتش عاريا ثم انتهى كل شيء ثم قادوني إلى إحدى الزنازين وقالوا لي امكث هنا حتى يطلبك المحققين ، ألقيت جسمي على الفرشة وتمددت ولم تمضي سوى بضع دقائق حتى سمعت صوت باب زنزانتي يفتح ويدخل الحراس اقتاداني من يدي ووضعا العصبة على عيني وسارا بي لا أدري الا اين أخيرا يبدو اننا وصلنا إلى غرفة التحقيق ،
ازالا العصبة عن عيني ثم انتظرا بالخارج كانت الغرفة تتسع لمكتبا يجلس به محقق قدرت عمره بالستين قد وخط الشيب رأسه رفع بصره الي أسمر الوجه عركته السنون والأيام غير ان الهدوء القاتل سمته الطافحة ، بدأ يقلب اوراقا بين يديه ثم هتف قائلا اهلا اهلا بالمخرب لم أعطه اهتمام بل حرك في نفسي شعورا بلا مبالاة ،
ثم باغتني بصوت أخر تخويفي انت خليل كنعان رددت قائلا نعم ثم باغته ماذا تريد مني ؟
بصوت أخر تخويفي أسكت انا الذي أطرح الأسئلة وعليك ان تجيب فقط ما كان مني الا ان اضحك مستهزئا ، فر المحقق من مكانه وبعصبية واضحة رفع الاوراق ورماها بقوة على المكتب ثم عاود الجلوس بعد ان هدأ وربما شعر بأن موقفه أصبح ضعيفا!
ضغط على الجرس مطولا .. جاء حارسان شداني واعادني إلى الزنزانة . يبدو اني أثرت حفيظة المحقق في ذلك التحقيق فبدأت المصائب تنهال بعدها .. لم البث في زنزانتي سوى بضع دقائق حتى اعادوني إلى التحقيق ، سرت معصوب العينين ولكن هذه المرة بخفة ونشاط يبدو أن أقدامي تعرف الطريق ترى هل للاقدام عيون دخلت الغرفة ذاتها المكتب إياه لكن محقق أخر لا أدري كيف ستكون مستوى اللهجة مع هذا المحقق الجديد ظل صامتا زمننا ظننت أنه طال لعشرة ساعات ثم عدل باصبع سبابته نظارته وهتف قائلا نحن لا نطلب منك شيئا كثيرا ..
مجرد اعتراف بسيط بدا أنه يرمي بدلو من المعلومات يريد توصيلها الي قد جمعها الشاباك من أجهزة السلطة ومتخابريه.. ثم تابع بصوته الحاد الذي لفت انتباهي اكثر من كلماته ، اعترف حتى لا تبقى هنا كثيرا .. قلت في نفسي بهذه السهولة استسلم ، أفي غضون ساعات أصبح مقيدا باصفاد أحلامي ؟
ما هذا الانهزام المبكر ، على الاقل لو اصمد بضعة أيام استيقظت في منتصف الليل .. وقفت على قدمي فزعا .. كم الساعة الآن هل اذن الفجر ام لا افترضت أنه اذن ، توضات وصليت ونمت ، نمت كما لم انم بحياتي .. استيقظت على أشعة الشمس وهي تدخل عبر النافذة العالية ذات القضبان الحديدية إلى زنزانتي وهي تعلن لي عن دورة الحياة وهي تسير في دربها الأزلي لم تكن أشعة الشمس تصافح وجهي مباشرة ، كان ضؤوها يصلني عبر النوافذ والشقوق …
كان لي 40 يوما في الزنازين الساعة التاسعة مساء فتح باب الزنزانة وجاء حارسان علمت انها ساعة تحقيق ، تخيلت لوهلة انها ساعة عذاب .. المكاتب تختلف والأشخاص يختلفون والأسئلة تتشابه بعضها ساذج وبعضها روتيني عن الاسم والدراسة والسكن وبعضها الآخر يحتاج إلى ذكاء في الإجابة والى انتقاء في الكلمات .. جلس المحقق أمامي والكاتب على يمينه …
لماذا تنتمي لحماس ؟ لم أجبه وبقيت صامتا قال لي اليس الصمت وسيلة للافلات من العقوبة قلت له ليس دائما قال ماذا تقصد بقولك كما فهمت تماما قال لي لم أفهم أريد أن اسمع منك فكل ما تقوله سيكون مسجلا هنا في ورقة الإفادة هل ستعترف بأنك ناشطا في حركة حماس بالمخيم حتى لو كنت أنتمي لحماس هذا أمر لا يعنيك ثم
قال محقق أخر يا خليل شو بدك بوجع الراس هسا مش احسن لو كنت في بيتك وبتكمل دراستك قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ما اختلفناش بس كمان لازم توخذ بالأسباب ومن قال لك أنني لم أخذ بها مش من الأخذ بالأسباب تحط حالك بهالحالة انا لم أضع نفسي بهذا المكان انتم الذين وضعتموني هنا …
تعال وقت على الإفادة اريد ان اقرئها اولا ماذا تقصد (ابتسم) هل تعني انك لا تثق بما دوناه نعم معك حق أقرأه كما تريد قلت في نفسي يبدو أن موعد فراقي لهاذا المكان قد حان ، عدت من التحقيق إلى الزنزانة ..
عاصفة من الأفكار تجتاحني هذه المرة اتجاه عائلتي …
اشرقت شمس اليوم 49 كاد يمر بطيئا وثقيلا لولا أنه حدث تغيير مفاجئ .. أنهم ابلغوني اني سانقل لمعتقل عوفر بعد رحلة تحقيق استمرت من 23/5 حتى 11/7 قلت في نفسي ..
اذا نقلت من أجل وفود جدد قادمين للتحقيق فلا بد أن نصف الشعب الفلسطيني مستضاف هنا .. انتهى تحقيق وانتهى كل شيء وانتهت مأساة عسقلان ولم تبقى سوى الذكرى .. وها أنا اليوم في جامعة القدس ، فيها اضأت مشاعلي وخطت راياتي وصنعت تاريخي ومحوت حدودي وحفظت كتابي وقرأت اياتي…
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يااا الله على حقارة الاحتلال والسلطة
    حسبنا الله ونعم الوكيييل
    وربنا يبعد عنك كل اعتقال انت وكل الشباب ويحرر اسرانا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق