ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

يوم عاد والدي في كيس بلاستيكي!

كنت حينها في الخامسة من عمري، ولا أتذكر الآن الكثير من الأحداث، فلا أذكر مثلاً جميع تفاصيل ذلك اليوم، ولا أذكر ما قبله، كل ما علق في ذهني فكرتان فقط لا غير،

أولهما، صورة أمي القلقة التي لم تستطع الجلوس أو النوم ودموعها لا تكاد تجف عن الجريان على وجنيتها وترفض أن تتناول أي طعام،

وثانيهما، عندما حمل أربعة رجال والدي وأنزلوه من سيارة، وكان ملفوفاً حينها بكيس بلاستيكي أسود، وأدخلوه في الغرفة الغربية من بيتنا، كنت حينها أسترق النظر من خلف الباب الموارب.

وينقطع حبل الذكريات ويعود بي إلى حيث جذبتني أمي من يدي ومشت بي إلى الغرفة الغربية فإذا والدي ممد على السرير.

وقفت أمي متسمرة في مكانها بالقرب من رأسه شاحبة الوجه، فلم تزح الغطاء عن وجهه، كما لم تأتِ بأية حركة، وكأنها مجرد تمثال متجمد من الشمع لا حياة فيه،

أم أنا فقد اقتربت منه.. أزحت قليلاً عن وجهه الغطاء البلاستيكي الذي بدا كريهاً بالنسبة لي ولمست وجنته، كانت باردةً جداً، ثم أزحت الغطاء عن رأسه فظهر حاسراً أمامي، شاهدت حينها ثقباً دائرياً واسعاً في مقدمة رأسه وتخيلت أنه قد اخترق لب دماغه، رأيت الدم الجاف يملأ تلك الفجوة وقد سال أيضاً إلى محجري عينيه المغمضتين بسكينة وجف فيهما..

التزمت الصمت مثل أمي، ولم أدرِ حينها ما به أبي، كل ما فعلته أنني مضيت أفرك الدم الجاف فوق عينيه وأنفضه عنهما، كنت أنتظر أن يفتح والدي عينيه، فيقبلني كما كان يفعل وهو يداعبني، إلا أن أبي لم يفتح عينيه في تلك المرة وأصر على إغماضهما، قد يكون متعباً كعادته، لهذا آثر النوم لبعض الوقت.. كشفت الغطاء عن جسد والدي المسجى، بدا وهو يرتدي بدلة عسكرية مموهة أكثر رجولة وعنفواناً وأطول مما كنت أراه دائماً.

يا إلهي، هذه هي المرة الأولى التي أرى والدي فيها بملابس كهذه، أليس والدي حداداً يصنع الأبواب والشبابيك؟ وله بدلة زرقاء داكنة يذهب بها للعمل؟ ما بال والدي اليوم يرتدي زيَّ المقاتلين؟ وما هذه الفجوة الدامية في رأسه؟ ألن يأتي الطبيب ويلصق جرح أبي باللاصق الطبي؛ ليخف ألم أبي ونزف دمه؟ ألن يفتح أبي عينيه ويحرك يديه وينهض عن هذا السرير؟ هل سيبقى متجمد هكذا؟ فإلى متى يا تُرى؟ أنا مشتاق له!

فمنذ يومين لم أره، وبدلاً من عودته هو، كان البيت يمتلئ طوال الوقت بالجيران والأقارب وأناس غرباء لا أعرفهم يبكون تارة ويتحدثون بصوت خفيض تارة أخرى.. دون أن يخبرني أحد منهم بما يجري حولي.

حضر عمي وأمرنا جميعاً أن نخلي الغرفة، جذبتني أمي من يدي وما زال وجهها شاحباً خالياً من أية تعابير، نفضُّت يدي بقوة، وهربت منها، وانسللت مرة أخرى إلى جوار أبي.. الحمد لله، لقد أزالوا الكيس البلاستيكي الأسود الذي كان يلف جسده، واستبدلوه ببطانية بيضاء اللون تكسو جسده بالكامل.

أزحت البطانية، وحاولت أن أدس نفسي بجواره لأحتضنه وأقبله عساه يستيقظ، يكفيه نوماً فكلي شوق له.. بيد أن عمي جذبني من يدي وأخرجني إلى خارج الغرفة وهو يصارع الدموع التي كانت تفر من بين جفونه رغماً عنه.. ضمني عمي إلى صدره، وقبلني، ومسح رأسي، وقال، من الآن فصاعداً أنت رجل البيت، أمك وأخواتك بحاجة لوقوفك معهن، لا أريدك أن تبقى طفلاً صغيراً.. كنت أنظر في وجهه باستغراب دون أن أدرك قصده.. لماذا أنا؟ أليس أبي هو رجل البيت؟ هل ألمَّ مكروه به ليقول لي عمي هذا الكلام؟.

كم كنت طفلاً ساذجاً حينها.. لو كنت أدرك ما يجري لقبلت جبن أبي ويديه وقدميه، ولارتميت في حضنه قليلاً؛ لأكسب منه قبلة وضمة قبل أن يأويه التراب إلى غير رجعة..

آه يا أبي، أقسم أنني حتى الآن ما زلت أشتهي تلك الضمة.. وكبرتُ بسرعة يا أبي دون أن أعي كيف مرت تلك الأيام، وإذا بي رجل البيت الذي تعتمد عليه أمي في كل شيء، دون أن تغادر البدلة العسكرية المموهة تفكيري.. فلا بد لرجل البيت أن يرتديها، ألست خلفاً لك يا أبي في كل شيء؟ ولكن، من أين لي بها؟ وماذا أفعل بها؟.

وحان موعدي مع تلك البدلة بعد عشرين عاماً، بعد أن أصبحت أدرك تماماً الطريق التي مضى فيها والدي وعاد محمولاً منها على الأكتاف، طريق الرجال والأحرار، وأنا أسير الآن على خطاه، وأكمل دربه الذي ارتضاه لنفسه.. رشاشي على كتفي، وقرآني بيميني.. أرى البسمة على شفتي أمي وهي تودعني في كل مرة أخرج فيها مرتدياً بدلتي المموهة بالمعوذات والرقية الشرعية، ولكنها تخفي خلف نظراتها قلق غدوت أدرك الآن كنهه، وتردد مقولتها في بعض الأحيان: “هذا الشبل من ذاك الأسد” التي يتبعها دمعة تنساب على وجنتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.