ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

(إكليل ورد وغار)

في ذكرى رحيل خنساء فلسطين أم نضال فرحات

بخطىً من جمرٍ ويقين تتقدم نحو الشّمس.. على طريق لا يرى نوره إلا أمثالها.. تَلتفّ يدها على كتفه.. تهدهد عليه بكل ما أوتيت من عنفوان.. تعانقه للمرات الأخيرة ويدها الأخرى على رشاشه.. تشدّ من أزره ويشد من أزرها..يرتد الدّمع في عينها يستحيل الجبنَ عزيمة.. وكأنّي بها تخاطبه بخفقات قلبها المثقل بوجع الفراق..

افتح عينيك وشاهد.. شاهد الجنة فقط .. دع نسماتها تتخلل أركانك.. تأخذك إلى عالم لا يراه غيري وغيرك.. من عينيّ حدّق فأنا مثلك لا أرى ظلاماً أبداً.. لا أرى سوى وهجاً أقاوم به عتمة الخوف ورعب التراجع عن هذه الخُطى .. يا قطعة من روحي إياكَ أن تتراجع..

إياك أن تعبث بعزيمتك دموعي الضعيفة.. فهذه لا بدّ أن تسقط.. رغماً عنّي تسقط ..لأن الوقت الذي يفصلني عنك قد يكون طويلاً لأعانقك مرةً أخرى.. وتمضي وهي تعانقه تقوده نحو ما تحب له وما أصرّت عليه.. وما سطرته لنا من صفحات العز والإباء. في كل مرة يخفق فؤادها بكلمة واحدة كانت لغز الحكاية وسرّ الوصول ألا وهي الجنّة..

رحلتِ ولا زلتِ تنعشين ذاكرتنا بدروس من نور.. أيّ يقين ذاك الذي تمترس في قلبك وروحك حين أطللتِ علينا تنثرين المجد في دروبنا.. تزرعين في تاريخنا شجر الغار والصفصاف والأقحوان.. شجرٌ باسق الفروع متجذراً في بطن الأرض يمتد فينا حتى بعد الرحيل.. يظل شامخاً للأبد.. ما غاب ظله ولا جفانا بطيب ريحه وثمره..

أم نضال الرواية التي لا نهاية لصفحاتها وإن رحلت… المدد الذي ما جف نبعه بل ظل يرفد ذاكرتنا الموجوعة بالعزيمة.. في التاريخ قالوا أن خنساءً قدمت أربعة من أبنائها فداءً للإسلام.. قدّمته في زمنِ كان الإسلام في أوجه وعزّه.. جادت بهم في زمن الصحابة والعظام..

أما أن تفعل ذلك امّ في زمن الانتكاسات فمعنى ذلك أنك ألف خنساء بعثتِ فينا الأمل.. وصنعتِ ألف مجد ..رصّعتِ سماءنا بنجمات ظلت تبرق باسمك بألق لا يليق إلا بك.. تسطعُ بوجهك وتغرق الكون ضياءً وبهجة.. وحدكِ – ومن يشبهكِ- تهزين جذع ذاكرتنا تُساقط رطباً غضاً تقر به أعين أمة لطالما نزف جسدها دماً من طعناتٍ قريبة وبعيدة.. ولا زال الجسد يتكئ على أمثالك كي يكمل المسير..

على مشارف الذكرى دمع نديّ.. وصورٌ كثيرة يحار المرء من أين يبدأ بذكرها.. وكيف للكلمات أن تتجاوز الدماء في بلاغتها.. كيف للكلمات أن تنشل أصحابها من ضيق الإفصاح عن حب عظيم تملّكها في حضرة سيدةٍ كأم نضال.. كلنا راحلون.. لكنّ الفرق بيننا على أي فكرة نموت وكيف نستميت لآخر نفس في صون نهج الشرف وخطه بالدماء والأرواح.. في زمن الندرة لأمثالك نجتر من تاريخك كل ما يبهج ذاكرتنا..

نستندُ عليه كي نهزم ضعفنا.. نستلهم الفجر من وجهك وعينيك لنشعل الطريق للأبد.. السنواتِ التي مضت على رحيلك سيّدتي لن تغلق أبواب المدرسة العظيمة التي خرّجت الاستشهاديين وربّت المجاهدين وآوت المطاردين.. وتفقدت المرابطين.. وتناول مشهدٍ واحدٍ من حياتك غير منصفٍ للحديث عن مسيرتك الجهادية.. إلا أن في صورتك وانت تتقدمين بجوار ابنك الاستشهادي محمد فرحات ملتحمةً معه بكل ما أوتيت من مشاعر أمومة وجهاد كانت الأكبر أثراً في نفسي وربما في نفس غيري..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.