ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

القدس بعد التهويد: وجه جديد يختفي منه العرب والفلسطينيون

في نهاية العام المنصرم أعلنت الحكومة الإسرائيلية نيتها بناء أكثر من 300 ألف وحدة استيطانية جديدة في القدس وحدها، هذا الإعلان قوبل من المجتمع الدولي بمطالبة الكيان الاحتلالي بـ “تخفيف” الاستيطان، أملاً في إيجاد حلٍ سياسي مناسب، لكن هذه المطالبة ذهبت أدراج الرياح.
ربما بإمكاننا إطلاق لفظ “استيطان” على جهود الاستيلاء على الأرض الفلسطينية والبناء عليها، والاستثمار فيها، لكن فيما يتعلق بالقدس، فأي مصطلح أو لفظ يقل عن “التهويد” لن يكون مناسباً لوصف ما يجري، فمنذ احتلال المدينة عام 1967 وإعلان الكنيست الاسرائيلي أنها عاصمة لكيانه عام 1980 انطلقت سلسلة التغييرات في طبيعة المدينة، وآثارها، ومبانيها، وتركيبتها السكانية، فأقيمت على جبالها أكثر من تسع عشرة مستوطنة، تزيد مساحة الواحدة منها عن 13 ألف دونم، يقطنها أكثر من 152 ألف مستوطن، لكن هذا العدد ارتفع مطلع عام 2017 إلى 29 مستوطنة في مدينة القدس ومحيطها، وأكثر من 84 بؤرة استيطانية في محافظة القدس بشكل عام، بعضها جاء مراضاة لحزب البيت اليهودي المتطرف لدفعه لعدم الإنسحاب من الحكومة الإسرائيلية.
التقارير والإحصائيات الإعلامية تشير أيضاً إلى توقيع الحكومة الإسرائيلية عام 2017 ثلاثة أضعاف عطاءات ومقاولات عام 2016 الخاصة بالقدس وحدها، تساهم جميعها في تحويل القدس شيئاً فشيئاً نحو مشروع “القدس الكبرى”، بشطريها الشرقي والغربي، وعن ذلك يقول مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات في جمعية الدراسات العربية خليل التفكجي أن 87% من مساحة مدينة القدس أصبحت بيد الإحتلال وملكاً لإسرائيل منذ منتصف عام 2016، وذلك إما على شكل أراضي خضراء، أو أراضي لمنفعة المصلحة العامة، أو أراضٍ مصادرة، ويضيف التفكجي أن هناك أكثر من 60 ألف وحدة استيطانية سكنية في القدس الشرقية وحدها.
ولا يقف التهويد في القدس عند الأرض بل يمتد كذلك للإنسان، وليس ذلك مرتبطاً باليوم، وإنما هو منذ بدايات المشروع الصهيوني، حين قررت لجنة حكومية صهيونية “لجنة جيفلي” في عهد رئيسة الوزراء جولدا مائير ضبط تواجد الفلسطينيين وأعدادهم في مدينة القدس، على ألا تتجاوز الـ 22% من عدد السكان، وأنشأت لذلك عدداً من القوانين والسياسات العنصرية، فماطلت في منحهم رخص البناء لدرجة قد تصل إلى سبع سنوات، ورفعت أسعارها لتصل إلى أكثر من 50 ألف دولار أمريكي، ومن ثم قامت بمصادرة الممتلكات، ومنعت التمدد العمراني، وسحبت الهويات المقدسية من الفلسطينيين، لكن هذا الهدف لم يتحقق أمام النمو السكاني المضطرد للفلسطينيين بل لم تنخفض نسبة وجودهم عن الـ32% من السكان، الأمر الذي دق ناقوس الخطر ودفع الحكومة الإسرائيلية لتشكيل لجنة جديدة تسعى لتخفيض وجودهم إلى 12%، فتحاصرهم في قراهم ومخيماتهم، وترميهم وراء جدار الفصل العنصري، وتضم مستوطنات كبرى مثل “معاليه أدوميم” و”غوش عتصيون.
فيما مضى كان الزائر لمدينة القدس يلاحظ الوجود العربي إلى جانب الوجود اليهودي، بقيت المباني تحكي عروبتها وإسلاميتها، لكن في الأفق هناك مستوطنات تزداد انتشاراً، وكنُس تغطي على الحرم المقدسي، وملامح ليهودية جديدة تحارب تاريخية المكان وتمحي أصالة أصحابه.. حتى لا يبقى لنا سوى أن نقول: “في القدس من في القدس.. إلا أنت”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.