ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

أبو مصعب.. سر صفحة القرآن 534 وواقعة الرحيل

لا أعلم لماذا اتسعت مساحة الأرض كثيراً بينه وبيننا ولم نستطع يوماً التعلم منه والاقتداء به أحياء لأحياء، ربما تعرّفنا على زرعه النيّر كان عزاؤنا الوحيد منذ لحظة اعلان وفاته أو فلنقل استشهاده..

في رحيل رجل الاصلاح والشيخ عبد الحافظ غيظان- أبو مصعب- من قرية  قبيا غرب رام الله، رجل لم نعرفه حيّاً، عرفناه بعد رحيله إثر تعرضه لعملية دهس مطلع آذار الجاري، أثناء محاولته إصلاح ذات البين كما عُرف عنه في حياته، رحيل كان مفاجئاً، ضاقت به صدور مَن عايشوا أبا مصعب وضاقت صدور مَن لم يعرفه أيضاً، رجل عاش بصمت القول وزلزال الفعل، وكان الموت سبيلنا لمعرفته..

قيل عن أبا مصعب أنه رجل إصلاح، عُرف بطيب الكلام والفعل، وشغل رئيس مجلس قروي قبيا قبل سنوات شهد له أهالي القرية بفعله القويم، والرعيل الأول لحركة حماس في قريته، ما يعني أنه نشأ على الفكر الإسلامي والمقاوم، قضى سنوات تفوق الـ 8 في سجون الاحتلال وتعرض للمضايقات والاعتقالات لدى الاجهزة الأمنية الفلسطينية، سيرة حياة لا تلخصها كلمات ولا صفحات، سيرة حياة لم تنتهِ بعد، فأمثال أبا مصعب ترك خلفه من يهتدي بفعله وصفاته الحسنة، ترك خلفه بنين وبنات نِعمَ ما جاد بهم على هذه الدنيا..

وعزائي وعزاء مَن لم يعرف أبا مصعب في حياته، أننا عرفنا فتياته ذوات الخُلق والدين، فتيات عزّ في هذا الزمن أن نرى أمثالهنّ، والسائل عن نشأتهن، أقلّ ما يُقال”إنهن فتيات أبا مصعب”، كتبت إحدى فتياته قبل أيام من رحيل والدها أنه طلب منها قراءة سورة الواقعة، وعندما فاضت عيناها بالدموع قال لها بصوت يعلن ألمه الجسدي “صفحة 534” بدأت بقراءتها وعندما فاض قلبها بالبكاء طلب من طفله أن يكمل ما بدأت شقيقته، ليتبين لاحقاً أن سورة الواقعة كانت السورة التي يرددها ابا مصعب قبيل كل فجر، وهذا الفجر كان ضيّق على صدورنا إذ وقعت واقعة رحيلك وتليتَ آية الوداع، وفُجعت قلوب فتياتك وكل مَن أحبك، فأي إنسان عاش مع الله ولله مثلك! لو رأيت يا ابا مصعب دموع الرجال في موكب تشييعك، لو رأيت الآلاف يسارع كل منهم ليحمل نعشك ولو لثانية، يلقي على قلبه برداً وسلاماً منك، لو رأيت يا أبا مصعب جموع المصلين عليك الذين ضاقت بهم جدران المسجد الذي خرّجك واتسعت لهم السماء وهي باسمة لك وأنت باسم لها وكأنك ترى موكب ملائكي يزفّك، ألا لا نامت أعين مَن فعل بكَ هذا ..

أخواتي الغاليات.. فتيات أبا مصعب، لا أخفيكن الحزن الذي سيرافقكن بعد اليوم، ولا الجزع الذي سيملأ قلوبكنّ بهذا الرحيل، فليس في العيش سند كالأب، وليس في الدنيا قلب يهفو لفتياته كقلب الأب، لا أخفيكن أنكنّ ستدمنن الشعور بالحزن ليس اعتراضاً على قدر الله لكنه الشوق الذي يذيب القلوب، والفراق لأرواح أحببناها ولن نجيد لها مثيلاً ما حيينا، داروا مواجعكم بالدموع فمثل الشيخ ابا مصعب حُق أن تبكي عليه السماء والأرض، ربط الله على قلوبكنّ ووالدتكنّ وعظم الله لكم أجركم وتغمد فقيد الشعب برحمته..

الحياة تضع أمامنا شخوص يتركون فينا ما لا يُقال، وما لا يُكتب، شخوص لا نعرفهم ولم تمنحنا الأيام لقاءهم ولكنهم يتركون فينا أثراً عميقاً رغم رحيلهم، هؤلاء المصطفين والمخلصين، الصامتين في الأرض محدثين السماء، هؤلاء مَن لا يضرهم جهل الأرض بهم يكفيهم ان السماء ورب السماء يعرفهم..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.