ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

العادات والتقاليد في ميزان الفكر المعاصر

كتب: عبد الرحمن نجم

تنماز المجتمعات عن بعضها بالتواضع على أعراف اجتماعية تأخذ شكل القانون العائلي لتلك المجتمعات، لكن تقادم الأيام حتم على تلك الأعراف الذبول والخفوت في مقابل أخرى بقيت حية رغم التطور الاجتماعي لطقوس العصر وعاداته.
على أن هذه الأعراف التي تجسد عادات المجتمع الواحد وتقاليده مَذْهب اجتماعي لا يَسْتكرهه الدين على إطلاق جُملته، ولا يَسْتنئي بالإنسان عن مَسْلَكه إنْ هو أَمِنَ ألا يُؤتى من تِلْقائه شَرٌّ في الدين أو المجتمع؛ وما ذلك إلا لأن الإسلام يَجعل الحكمة ضالةَ المؤمن، فهو أنى وجدها كان أحق الناس بها.
والإسلام لَمَّا قرر أُخوة المسلم لأخيه المسلم من غير جهة النسب والدم، جَعل علاقة المجتمعات المسلمة مع غيرها من المجتمعات على أساس التعارف الذي يجلب سُمُواً لا انحطاطاً (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتَعَارفوا إن أكرمكم إن الله أتقاكم ..)، وهذا التعارف قد يأخذ شكل التبادل المعرفي والثقافي؛ أي مُحاكاة الآخر وتقليده لتغدو مع الأيام إحدى العادات التي اقترضها مجتمع من مجتمع آخر.
ولقد جاء في صحيح الخبر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَقَرَّ أهل الجاهلية في الإسلام على عادات اجتماعية، من نحو: قِرَى الضيف، وحَمْلَ الراكب، و”حلف الفضول”، وسكت عن شؤون كالعَزْل.
وعلى ذلك كُلِّه؛ يَخْلو لنا أنَّ وجه القَبول والرفض في الإسلام للتقاليد والعادات أساساً مُعلَّقٌ بموافقته الحق ولا غير (والحَقُّ أَحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ..)؛ فالإسلام إذ يدعو إلى أَحَاسن الأخلاق لم يُحارب تقليد كل ما وافق دَعْواه، ولو كانت فَعْلة غير المسلم، لأن المسلم بها أحق.
غير أنَّ المُواظبة على استعارة العادات والتقاليد من المجتمعات الأخرى دون إعمال العقول والاتكال الدائم عليه في سَهْل الأمور وصَعْبها، إنما هو من الجَوْر على النفس قبل أن يكون على الأمة، فاتباع سنن من قبلنا حقيقة تعيشها الأمة الإسلامية بعد أن ضعفت وهانت على أعدائها حتى غدت الأمم الأخرى تُعير الأمة الإسلامية عادات اجتماعية تناسب تلك مجتمعاتها الغارقة في حمأة الرذيلة والفساد في الأرض، فما كان من قبل محرمًا اجتماعيًا بات اليوم في عصر العولمة أمرًا ينم على الانفتاح والرقي والحضارة.
ولقد كان التعصب الأعمى للعادات الاجتماعية والطقوس الدينية فيمن قبلنا من الأمم من مهالكها (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.