ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

أحكام المرأة وتأثر الفقهاء ببيئتهم

تقدّم أحد الصحابة الأجلّاء لخطبة إحدى الصحابيات، وكانت تعلم منه أنه يغار، فاشترطت عليه شروطًا كان منها أن لا يمنعها من صلاة العشاء في المسجد، فالتزم بالشرط، وبعد فترة شقَّ ذلك عليه، ولكنه لم يستطع منعها، للشرط، وللحديث الذي أمر فيه النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعدم منع النساء من الصلاة في المسجد، فلما عيل صبره، قرر اللجوء إلى الحيلة لجعلها تقرر بنفسها عدم الخروج، فسبقها بالخروج من المسجد بعد صلاة العشاء، وقعد لها على الطريق من حيث لا تراه، فلما مرّت جلس خلفها فضرب بيده على عجزها، فنفرت من ذلك، ومضت، فلما كانت الليلة المقبلة سمعت الأذان فلم تتحرك، فقال لها: ما لَكِ، هذا الأذان قد جاء؟ فقالت: فسد الناس. ولم تخرج بعد.

هذه القصة، تبيّن كيف أن الإنسان قد لا يستطيع التخلص من قيود نفسية أو اجتماعية حوله، فيتأثر سلوكه بذلك، وهذا التأثر المفترض يوجب علينا عندما نبحث عن أقوال سادتنا الفقهاء في حكم شرعي متعلق بمسألة مما يتأثر باختلاف المجتمعات والبيئات والعصور أن نكون منتبهين لما قد يكون قد أصاب أقوالهم من تأثّر بالبيئة التي قيلت فيها، وهناك قضايا عديدة من فقهنا تحتاج مراجعةً وإعادة بحث، لأن اجتهاد للفقهاء في استنباط الحكم الشرعي لها من الأدلة الشرعية تأثر أحيانًا بظروف البيئة التي جرت فيها عملية الاجتهاد.

وبالنسبة للمرأة والأحكام الشرعية المتعلقة بها فقد تأثرت اجتهادات العلماء فيها في كثير من العصور بما اعتادوه وألفوه، وما كانت عليه مجتمعاتهم التي عاشوا فيها، ولذلك تجد – عند التحقيق – تباينًا بين ما تدلُّ عليه الأدلة الشرعية الثابتة، وبين مضامين بعض هذه الفتوى، وليس سبب ذلك أنهم كانوا ينحرفون عن مقتضيات تلك الأدلة، معاذ الله أن نظنّ بهم ذلك، ولكنهم اجتهدوا لزمانهم، والأصل في من يأتي بعدهم أن يجتهد لزمانه، فيأخذ من اجتهاداتهم ما يوافق دلالات الأدلة الشرعية ويتناسب مع ظروف تنزيل الحكم الشرعي على الواقع، ويترك ما عدا ذلك.

وسأضرب مثالًا على تأثر الأحكام الشرعية المذكورة في كتب الفقه والمتعلقة بالمرأة بالظروف التي اجتهد أصحابها لاستنباطها فيها، وهو ما يتعلق ببعض أحكام صلاة المرأة في المسجد.

لقد جاءت النصوص الشرعية الأصلية المتعلقة بهذه المسألة في اتجاهين:

نصوص أمرت المرأة بحضور الصلاة في المسجد ونهت الرجل عن منعها من ذلك، ومنها:

  • ما رواه البخاري وغيره أن رسول اللّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (لا تمنعوا إماءَ اللَّهِ مساجدَ اللَّه).
  • وقد روى (مسلم) قصة في ذلك عن ابن عمر أيضًا جاء فيها أنه روى هذا الحديث بلفظ (لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذَنَّكم إليها)، وكان ابنٌ له اسمه بلال حاضرًا فقال: (والله لَنَمنَعَهُنَّ)، فأقبل عليه أبوه – عبد الله بن عمر – فسبَّه سبًّا سيئًا، قال الراوي: ما سمعته سبَّه مثله قطّ، وقال: (أُخبِرُك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لَنَمنَعَهُنَّ)!
  • ولم يقتصر التوجيه النبوي على التحذير من منعهنَّ من الصلاة في المسجد، بل تضمّن الندب إلى حضورهنّ وشهودهنَّ بعض الصلوات فقد قالت الصحابية أم عطية في الحديث أخرجه البخاري ومسلم: أُمِرْنَا أن نُخرجَ الحُيَّضَ يومَ العيدين، وذواتَ الخُدور فيشهدْنَ جماعةَ المسلمين ودعوتهم، ويعتزلُ الحُيَّضُ عن مصلّاهن، قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: (لِتُلْبِسْهَا صاحبتُها من جلبابها).
  • والأحاديث في شهود الصحابيات الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده كثيرة صحيحة.

وفي المقابل وردت نصوص أخرى جاء فيها ما يدلُّ على تفضيل صلاة المرأة في بيتها:

  • ومن ذلك أنه قد ورد في بعض روايات الحديث السابق (لا تمنعوا نساءَكم المسَاجد، وبيوتُهن خيرٌ لهن).
  • وروي في حديث حسنٍ عن أم حميد أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك، قال: (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي).

وهذه الأحاديث لا تحمل معانٍ متعارضة، إذ لا يجوز أن تتعارض أحاديث النبي الذي لا ينطق عن الهوى – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – إن كانت ثابتة عنه، فإما أن يؤخذ بالثابت ويُردُّ الضعيف، أو يتم الجمع بينها، والجمع بين هذه الأحاديث ممكن بحمل كل حديث على حالة معينة يختص بها، فالأصل هو جواز شهود النساء الصلاة في المسجد وعدم جواز منعهنّ من ذلك، وتوجد حالات يترجح فيها أن تكون الصلاة في بيتها خير لها، وحالات يترجح عكس ذلك.

ولكن ما الذي نجده في كتب السادة الفقهاء المعتمدة في المذاهب؟

لقد اتفقت الآراء المعتمدة في كتب المذاهب الأربعة على (كراهة) حضور النساء (غير العجائز) صلاة الجماعة في المسجد، مع أن سلوك الصحابيات يدلّ على أنهنّ كنّ يداومن حضور الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

لقد مال الفقهاء الأقدمون إلى الحكم بكراهة حضور غير العجائز من النساء إلى المساجد، وأخذوا بقسم من الأدلة التي في المسألة، وتركوا الأدلة الأخرى لأن ظروف مجتمعاتهم، والعادات التي ألفوها ونشأوا عليها كانت تؤثر على اجتهادهم، وكان من نتائج ميل الفقهاء إلى هذا الرأي القائل بكراهة خروج المرأة للمسجد أن انتشر الجهل بين كثير من النساء لغيابهنّ عن المساجد التي هي مراكز التوجيه والإرشاد، فتأثرت الأمة كلها بهذا سلبًا، وهو ما يستدعي ضرورة مراجعة مثل هذه الآراء الاجتهادية، وعرضها على الأدلة الشرعية لاستنباط ما هو أقرب للحق والصواب، وأكثر تحقيقًا لمقاصد الشريعة الغرّاء.

كلامي هذا لا يتضمن دعوة لنبذ الفقه القديم وكتبه، وإنما يحاول لفت النظر إلى ضرورة التمييز بين ما كان منه مستندًا إلى جهد بشري قد يلحقه القصور، وما كان مستندًا لأدلة شرعية يجب الالتزام بها، وهي مهمة لا يقوم بها الهواة، ولا غير الموثوقين في دينهم، بل هي مهمة أهل العلم الراسخين علمًا وتقوى.

ولعل مما يعبّر بوضوح عن ما أقصده من هذا المقال أن كثيرًا من الفقهاء الذين مالوا إلى كراهة خروج النساء للمساجد استدلّوا بقول لأم المؤمنين عائشة تقول فيه: (لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل)، أي لمنعهنّ من الخروج إلى المساجد.

وقد علّق الإمام ابن قدامة في كتابه المغني في الفقه الحنبلي على الاستدلال بقول عائشة، فقال: (وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحقُّ أن تُتَّبع، وقول عائشة مختص بمن أحدثت دون غيرها، ولا شك بأن تلك يكره لها الخروج)، فهو قد رفض الاستدلال بقول عائشة، وهي من هي، وترك سنة الرسول لأجله، فما بالنا نتمسك باجتهادات الرجال، ونترك ما تدل عليه أدلة الشريعة لأجل قولهم؟!

 

م. عيسى خيري الجعبري

9/3/2018

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.