ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الشيعة.. خلافات سياسية أنتجت عقيدة دينية

كتب: عبد الرحمن نجم

مقدمة
تختلف قصة نشأة الشيعة عن غيرها من الطوائف الإسلامية، وذلك لكونها نشأت كتوجه سياسي ثم صارت أيدولوجيا وعقيدة دينية يدين بها اليوم ملايين المسلمين، ولكن هذا الاختلاف بينها وبين الطوائف الأخرى له مبررات ظرفية بُنيت على واقع سياسي شكل أزمة دستورية للأمة الإسلامية تمثلت في حادثة سقيفة بني ساعدة.
على أن أمر التشيع برز بوضوح بعد اغتيال الخليفة الراشد الثالث عثمان رضي الله عنه على يد غوغاء الناس، ممن استعلنوا لعثمان الكره والضغينة، فضلًا عن فريق سَهُل انقيادهم إلى ساحة الجريمة.

التسمية
الشيعة لغةً الفرقة والأتباع والأعوان، أُخذت من الشياع والمشايعة بمعنى المتابعة والمطاوعة. قال ابن منظور في “اللسان”: الشيعة كل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وكلّ قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيعة، والجمع شيع. وقد غلَب هذا الاسم على من يَتَوالى عَلِيًا وأَهلَ بيته.
ولفظ شيعة في الأساس من الفعل تشيع وهو الاتباع.
وعلى مدار التاريخ الإسلامي أطلق لفظ شيعة على العديد من الحركات الإسلامية المجموعات مثل شيعة عثمان وشيعة معاوية وغيرهم، ولكن لفظة الشيعة وحدها تعتبر علما لشيعة علي متبعيه.

حادث السقيفة
أدرك الموت النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم سنة 632 م عن 63 سنة دون أن يستخلف على الناس أو يسمي خليفة من بعده، وهنا بدأت أزمة دستورية خاض المسلمون فيها بين مؤيد ومعارض؛ ذلك أن جمعًا من الصحابة من آل البيت رضوان الله عليهم جميعًا يرون أحقية أمر الخلافة لهم دون قريش.
لكن الذي جرى من دون سابق ترتيب أن الأنصار اجتمعت وحدها دون المهاجرين لتختار لهذا الأمر رجلًا منها، فلما تسامع أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة عامر بن الجراح بخبرهم قصدوا إليهم، فانفض الاجتماع على اختيار الصديق أبي بكر خلفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين.
لكن هذا الاستخلاف لم يرض جميع الصحابة ممن رأوا أن لا تكون الخلافة لقريش أو الأنصار، وإنما أن تكون لآل بيت رسول الله صلى الله عليه، فأبطأ نفر منهم عن مبايعة أبي بكر كعلي بن أبي طالب الذي بايع بعد وفاة زوجه فاطمة، أي بعد ستة أشهر من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
والذي لا شك فيه أن النفر الذين أمسكوا أمر الأول عن مبايعة أبي بكر لم يحدثوا بلبلة في مجتمع المدينة؛ لأنهم كانوا قلة، ولأن المدة بين رفضهم الخلافة والمبايعة كانت قصيرة نسبيًا.
شكل استخلاف أبي بكر بداية التشيع لآل البيت، ولا سيما علي بن أبي طالب، كتوجه سياسي تبناه تيار من الصحابة، غير أن هذا التبني لم يأخذ شكل التشيع الذي نعيشه في أيامنا هذه، ولا ذلك التشيع الذي سنراه في مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

اغتيال الخليفة
بدأ أمر الشيعة بالظهور في شكل التأييد لعلي بن أبي طالب بُعيد مقتل شهيد الدار الخليفة عثمان بن عفان؛ إذ عمد 3 آلاف من الحانقين على عثمان، والشانئين له، إلى محاصره داره، مانعين عنه الماء والطعام والخروج للصلاة، ثم قاموا بقتله في مجزرة مروعة.
أجبر الثائرون علي بن أبي طالب على الخلافة، وهددوا بقتل كل شخص لا يبايعه، فبايعه الصحابة كأسامة بن زيد وطلحة والزبير على استكراه، ثم انطلق الأخيران إلى مكة لتقع بعدها معركة الجمل ثم صفين.

فرقة السبأية
يذهب مؤرخون إلى أمر فتنة مقتل عثمان وحشد الغوغاء لقتله إنما كان المخطط الفعلي لها رجل يدعى عبد الله بن سبأ، وأمه حبشية، وهو رجل يهودي تظاهر بالإسلام، واستسر باليهودية.
يشير المؤرخون إلى أن عبد الله بن سبأ قد غرر العامة، وأوغل صدرها على عثمان، بإثارة شُبَهٍ، وتصيد أخطاء سياسية لعثمان.
يقول الدكتور أحمد أمين عن ابن سبأ: “.. فهو الذي حرك أبا ذر للدعوة الاشتراكية، وهو الذي كان من أكبر من ألّب الأمصار على عثمان، وألَّه عليًا، والذي يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألّف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذ الإسلام ستارًا يستر به نياته”.

معضلة ابن سبأ
ولكن الذي يحمل المرء على الريبة في وجود شخص هذا الرجل أن المؤرخين الذين ذكروا قصة ابن سبأ لم يأتوا لنا بوصف وافٍ عن شخصية هذا الرجل العجيب.
إن دراسة هذه الشخصية الغريبة مشكلة عويصة؛ ذلك أنَّا نعرف أفكاره وأعماله أكثر مما نعرف عن شخصيته وصفاته.
والحق أن بعض المؤرخين والباحثين يشككون في وجود هذا الرجل، فالدكتور طه حسين يعتقد أن عبد الله بن سبأ وَهْمٌ من الأوهام، ويحتج برأيه بأن المسلمين لم يكونوا في عصر عثمان من الوهن؛ بحيث يعبث بعقولهم وآرائهم وسلطانهم طارئ يهودي أسلم مؤخرًا.
يضيف د. طه حسين: “.. كان من اليسير على ولاة عثمان وعماله أن يتتبعوا هذا الطارئ، أو يطاردوه، أو يكتبوا بشأنه إلى عثمان على الأقل (..) وفي نفيهم لسبب أقل جدًا مما يرويه المؤرخون عن ابن سبأ”.
ثم يأتي طه حسين على قصة أبي ذر وتحريضه من قبل ابن سبأ فيقول: “.. وما أعرف إسرافًا يشبه هذا الإسراف؛ فما كان أبو ذر بحاجة إلى طارئ محدث في الإسلام ليعلِّمه أن للفقراء على الأغنياء حقوقًا، وأن الله يبشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بعذاب أليم”.
على أنَّ الرأي الذي نطمئن له، ونقول به، أن ابن سبأ خرافة تاريخية لا وجود لها، ويوافق على هذا الرأي عالم الاجتماع علي الوردي في كتابه “وعاظ السلاطين” فيقول/ ص132-133: “إن شخصية ابن سبأ اخترعها أولئك الأغنياء الذين كانت الثورة موجهة إليهم، وهذا هو شأن الطبقات المترفة في التاريخ إزاء من يثور عليهم”.
ويضيف الوردي: “فكل انتفاضة اجتماعية يعزوها أعداؤها إلى تأثير أجنبي”.
ولقد ظاهر القرآن الكريم هذا الرأي في حق مشركي قريش حين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في بدء دعوته بأنه كان يأخذ تعاليمه من غلام نصراني اسمه جبر، يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ).
وفي الجملة، فإن التاريخ الإسلامي دُوِّن بوجهات نظر شتى، فالمؤرخ في العصر الأموي عظّم من أمر بني أمية، ووضع في سبيل هذا التعظيم على التاريخ أحداثًا من خياله، بل إن بعضهم حدّث عن رسول الله كذبًا، مُختلقًا أحاديث من عند نفسه!
وكذلك حال مؤرخي العصر العباسي الذين حطوا من قدر الأمويين، واختلقوا في سبيل الذم بهم أحاديث موضوعة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.