ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

قراءة في كتاب “فوجِئتُ بي حياً وبآخرين”

بقلم الدكتورة  في العقيدة والفلسفة الإسلامية: سرين الصعيدي.

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب “فوجِئتُ بي حياً وبآخرين” الطبعة الأولى 2016_ دار فضاءات_عمان.

للكاتبة: سماح ضيف الله المُزَيّن.

بقلم الدكتورة  في العقيدة والفلسفة الإسلامية: سرين الصعيدي.

مرت فلسطين الحبيبة بأهوال لا تخفى على بشر ولم ينساها من كان بين ضلوعه قلب ينبض، وفي هذا القرن الذي يشهد من التقدم والحضارة وعلى جميع المستويات ما لا يخفى على أحد، إلا أن المعاني الإنسانية بل أبسط معانيها تغيب عن العالم المتقدم وتهوي في أسفل درجات الإنحطاط على مرأى ومسمع من منظمات وجمعيات حقوق الإنسان التي تتشدق بدفاعها عن الإنسان وحرياته وحرماته وحقوقه، لتأتي قضية فلسطين الصفعة التي تصفع هذه المنظمات وتكشف بُعدها عن المعاني الإنسانية بُعد المشرق والمغرب، كيف لا وفلسطين بشعبها وأرضها مسلوبة من أدنى الحقوق الإنسانية على مرأى ومسمع من العالم الذي يقيم حرمة ويحفظ حقوق الحيوان ويتباهى برأفته به.

وغزة جزء لا يتجزأ من فلسطين وجرح ما زال يتدفق بغزارة بدم البراءة الذي سُفك وما زال يُسفك وببرودة وتجاهل لم يشهد له العالم _الذي يدعي تقدمه واحترامه الحقوق_ مثيل، غزة التي مرت بها أحداثا متتالية ولكنها كانت وما زالت عصية على الكسر والخنوع والخضوع كما الصخرة الأبية تتكسر على صفحتها أمواج البحر، فكانت غزة الصفعة الثانية التي وُجهت للوجه المشوه لمنظمات حقوق الإنسان والتي وقفت موقف المتفرج على فلسطين بحالها وأحوالها تركتها لتواجه مصيرها كما اليتيم على مائدة اللئام.

جاءت هذه الصفعة على شكل كتاب فوجئتُ بي حياً وبآخرين قدمته مؤلفته لتكون شاهدة على المجزرة التي سُفكت على أعتابها مياه الوجوه المتخاذلة عن نصرة شعبنا قبل أن تكون شاهدة على الأشلاء البريئة المتطايرة كما سرب العصافير المهاجرة، وليكون الكتاب بدوره تأريخا صادقا لما حدث في حرب الأيام(51) عام 2014 كتبت حروفه بأنامل تتشبث ببقايا حياة تحت كل الركام والحطام الذي كان ووسط الأشلاء المختلطة ببقايا البيوت والمؤسسات والأشجار نتيجة الحرب الهمجية العشواء على تلك البقعة الساطعة بضوئها من عمق فلسطين وكل فلسطين شمس ساطعة في كوكب الأرض المظلم.

هذا فيض من غيض وجزء من مرارة تجرعناها فظهرت علاماتها أخاديد حزن على وجوهنا وخصلات شيب في شعر رأسنا، وكيف لا يصبح أطفال فلسطين شيبا ولم يتجاوزوا عمر الورد بعد؟!

كل المرارة والأسى والألم الذي تجرعناها سنة بعد سنة منذ النكبة التي عشناها بأرواحنا وقلوبنا من قصص الآباء والأجداد وإن لم نعاصرها سُكب أضعافها في أرواحنا وقلوبنا في أحداث فلسطين التي كنا شهودا عليها ولا سيما أحداث غزة عام 2014 حرب (51)، استيقظنا على هذه الفاجعة التي حفرت في سويدائنا عن طريق وسائل الإعلام ليأتي كتاب فوجئتُ بي حيا وبآخرين بقلم الشاهدة على هذه الجريمة التي أسقطت القناع عن وجه المحتل البشع الذي لا يراعي براءة طفولة ولا عجز شيخوخة ولا أملا في الشباب الواعد الحالم بمستقبل أقصى أمنياته في السلام والعيش بعزة.

كتاب فوجئت بي حيا وبآخرين: يسلط الضوء على حقائق وصور تظهرها حروف الكاتبة وكأنها أحداث حقيقية تعيشها وقتها لا أنك تقرأها عبر كتاب وكفى، بل كانت حقيقة أصدق من وسائل الإعلام المصورة والمسموعة ولم لا؟! وكاتبتها قد نقشت حروفها على ضوء القذائف والصواريخ، بل وأنت تقرأ الكتاب بسطوره تشتم رائحة الدم الزكي المختلط بغبار البيوت المهدمة على رؤوس ساكنيها، لدرجة أنك لن تستطيع أن تشرب أثناء القراءة أي كوب من المشروبات ساخن أو بارد لأن الأول ستتذوق به طعم الدم والبارد سيذكرك ببرودة الرد العالمي اتجاه ما يحدث وعدم مبالاته.

المؤلفة أضافت لجهاد ثباتها وإقامتها على تلك البقعة من العزة جهاد الكلمة لتصل رسالتها للعالم من خلال الحرف الصادق، فتزرع فينا ما لم يزرعه السياسي المحنك ولا المفكر الحاذق، لقد خلدت بحرفها صور جديدة من أولئك الذين لا يستحقون إلا  أن ننحني لهم إجلالا وإكبارا رجالا وشيوخا ونساء وأطفالا، وحفرت بحرفها وصدق أحاسيسها وكلماتها شخصيات جديدة أضيفت لذاكرتنا الفلسطينية فلن ننساهم ما بقينا وما بقي الزيتون والزعتر، أضافت سماح المُزَيّن شخصيات جديدة لسويداء القلب ممن ارتقوا شهداء أو من أولئك الذين بترت أعضاءهم لتزدحم الذاكرة بصورهم وشخوصهم.

من حق فلسطين علينا كل فلسطين أن نحفظ عن ظهر قلب مآسيها ونحفر على جدران القلب وصفحات الروح جراحها حتى لا ننسى وتظل القضية المقدسة خالدة، ومثل أقلام الصدق والعز هذه جديرة أن تعيد لنا شيئا من كرامتنا وتزرع فينا الأمل نحو الغد الواعد، من موائد هؤلاء الذين يصرون على الجهاد بالكلمة وهم الذين جاهدوا بالنفس والمال والولد نتعلم كيف نموت بإباء وفي سبيل أن تبقى بلادنا عزيزة شامخة عصية على الكسر والاستسلام، فأضعف شيء ممكن أن نقدمه لهؤلاء الأسود الرابضة ولأشجار الزيتونة الراسخة الثابتة في الدفاع عنا جميعا أن نقرأ مثل هذا الكتاب بقلوبنا وأرواحنا وضمائرنا لعلنا نقدم المعذرة إلى الله في يوم سنسأل عن كل صغيرة وكبيرة.

كتاب فوجئت بي حيا وبآخرين لهو أعظم من أن اكتب عنه بقلمي الواهن العاجز ولكنها معذرة إلى الله لعله يتجاوز عن ضعفي وعجزي.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.