ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

حين تصبح الأم أخصائية.. حكاية أمٌ لم تستسلم لتوحد طفلها..

مقابلة خاصة_ مع الباحثة حنين البنا

 

حنين البنا، أم فلسطينية لخمسة أطفال، لم تتوقف حياتها عند المنعطفات الصعبة والعقبات الممتدة، إنما ثابرت وحولت الحجارة التي تعثرت بها إلى سلم للنجاح، فأنعشت هواياتها، وأبدعت في الطبخ والأعمال اليدوية، ثم حين تمكنت من فهم طفلها الصغير انطلقت لتحكي للعالم تجربتها من خلال رسالة ماجستير أعدتها وناقشتها بنجاح في مجال الإدارة التربوية بجامعة النجاح الوطنية.
تقول حنين عن نفسها: “أنا ربة منزل، وأم، ومثل كل الأمهات همي هو راحة أبنائي، وتوفير مختلف متطلباتهم، ومساعدتهم في أمور حياتهم، وأن أكون رفيقةً لهم قبل أن أكون أماً، لدي طموحات كبيرة أبدؤها من مطبخي البيتي الذي أسعى لتطويره وتحويله إلى مشروع يضم هاويات الطبخ ويحول الهواية إلى عمل، وسعيي الآخر لتحويل عمل الخرز من نطاق محلي إلى إقليمي، أما طموحي الأكبر والذي يشغل ذهني وتفكيري هو عمل مشروع خاص بأطفال التوحد يساعدهم في الإندماج بالمدارس الحكومية والخاصة، ويؤهل اخصائيين في الوقت ذاته للعمل على تشخيص وعلاج أطفال التوحد.
كان لإشراقات مع حنين البنا مقابلة خاصة، تحدثت فيها عن رحلتها في مساعدة طفلها على تخطي التوحد، وسعيها لتطوير فهم المجتمع عن التوحد، وتوعية مختلف الباحثين والأخصائيين بتجربتها كأم في الوقوف بثبات ومساندة طفلها، ودعم الكثير من الأمهات المحبات مثلها:
1. كيف بدأت رحلتك في عالم التوحد، وهل كنت تعرفين شيئاً عنه قبل إدراك أن طفلك يعاني من طيف التوحد؟
رحلتي بدأت منذ ولادتي لابني مهند، فمنذ البداية شعرت بأنه ليس طبيعيًا كباقي الأطفال، حيث كان مختلفًا في الكثير من الأشياء، لم يكن يناغي كباقي الاطفال في عمره، ولم يكن يتواصل ببصره معي، وكان شديد البكاء والصراخ بدون سبب خصوصًا في الاماكن التي فيها ضجيج و أو أصوات، وكنت عندما اتركه لوحده في غرفة يسكت ويكون هادئا جدًا ومبتسمًا ويضحك، مما أثار استغرابي حتى أنني كنت أتساءل لماذا يضحك ولماذا هو هادئ، إضافةً لذلك فلم يستجب لمحاولاتي بإرضاعه صناعياً، كما تأخر في الجلوس والمشي والنطق.
ومنذ البداية لم أترك طفلي دون متابعة، فعرضته على عدد من أطباء الأطفال، ولكن للأسف لم يعطني أي طبيب سبب واضح لحالة طفلي، بل كانوا يطمئنوني بأنه طبيعي ولا يعاني من أي شيء، وبأنه سيتغير مع الوقت ويتحدث ويمشي، لكن للأسف لم يتغير، بل ساءت حالته، واستمر تنقلي به بين الأطباء بحثاً عن إجابةٍ شافية ولكن دون جدوى.
في عمر ثلاث سنوات قمت بتسجيله في روضة وكان هدفي هو أن يتكلم وأن يهدأ قليلاً، لأنه لم يكن يتكلم أبداً، وكان كثير الحركة وشديد الصراخ، وهناك واجهتني صعوبة كبيرة نتيجةً لعدم قدرة المعلمات على التعامل معه، على الرغم من تعاونهم الشديد معي وتقبلهم لوضعه، وبقيت المعاناة مستمرة حتى جاء أخصائي من الخارج لتسجيل ابنه في الروضة، فاتصلت بي المديرة وطلبت مني أن أذهب للروضة للقاء الأخصائي لعلي أجد لديه إجابة شافية عن وضع طفلي، وفعلا ذهبت والتقيت به وأخبرني أن التشخيص بحاجة لجلسات كثيرة لكي يكون دقيقاً، ولمدة لا تقل عن ستة أشهر، ولكن بإمكانه أن يجلس مع الطفل مبدئياً على مدى عدة جلسات لإعطائي التقييم بشكل أولي، وهو ما تم، وفي النهاية أخبرني أن طفلي مصاب بالتوحد من الدرجة البسيطة.

2. كيف كانت ردة فعلك حين علمت بإصابة طفلك بطيف التوحد، ومتى كان ذلك؟
قد يظن البعض أنها الصدمة ,, بل على العكس تمامًا .. لم تكن صدمة بالنسبة لي ، بل ارتاح قلبي بشكل كبير وحمدت الله كثيرًا، لأنني وأخيرًا عرفت ماهي حالة ابني، وذهبت الحيرة، ووضعت قدمي على أول الطريق لرحلة شاقة وطويلة مع طيف التوحد الذي لم أكن أعلم عنه شيئا.. كان حينها يبلغ من العمر خمس سنوات..
ومنذ ذلك الوقت بدأت بالقراءة عن التوحد والأسباب والعلاج والتشخيص والأعراض وكل شيء يخصه، وبدأت البحث عن مجموعات ومواقع تهتم بالتوحد ، وتواصلت مع الكثير من الاخصائيين في الخارج.
كما بحثت عن مراكز للتوحد في بلدنا، وتوجهت إلى إحدى المراكز ولم أكن أعلم وقتها طبيعة هذه المراكز، وسجلت مهند فيه لمدة شهرين فقط ، لكن للأسف وضعه لم يتحسن أبدا، بل اصبح أسوأ من السابق بكثير، عندها اتخذت قرار إخراجه من المركز وإعادته إلى الروضة العادية مع الاطفال الطبيعيين، وقطعت على نفسي عهدًا ألا أسجله في مراكز خاصة نهائياً، وعاهدت نفسي أن أكون أنا الأخصائية لطفلي، وأكملت الرحلة مع ابني والتوحد وكان سلاحي الدعاء والاستعانة بالله ..
3. كيف بدأت رحلة إتمامك لدرجة الماجستير في الجامعةـ وماذا كان حافزك؟
فكرت بعد مرور الوقت بإكمال دراستي، والتخصص في مجال التوحد، ووضعت هدفًا هو مساعدة أهالي وأطفال التوحد الذين يعانون الويلات بسب إهمال وتهميش هذه الفئة في بلدنا، ولكني لم أجد جامعة في فلسطين تدرس التوحد أو تخصص التربية الخاصة، وبعد بحثٍ طويل توصلت إلى دكتور أخصائي في جامعة بيت لحم هو “الدكتور سامي باشا” وهو مبتكر أداة باشا للتشخيص السلوكي للتوحد، وذكرت له قصتي بالتفصيل، فطرح علي اقتراح أن أدرس دبلوم تربية خاصة في بيت لحم، ولكن هاذا الخيار كان صعب جدًا بسبب بعد المدينة عن نابلس وحاجتها لوقت لا يقل عن 12 ساعة يوميًا غياب عن المنزل بسبب المواصلات والطرق، وعدم قدرتي على ترك أطفالي هذه الفترة الطويلة، فتوجهت إلى جامعة النجاح واستشرت الأستاذة هناك فاقترحوا علي أن أدرس الادارة التربوية ثم أجري دراسة عن أي موضوع بشرط أن أربطه بالتربية.
وفعلا التحقت ببرنامج ماجستير الادارة التربوية، وانهيت كل المساقات ومن ثم اخترت عنوان الدراسة التي كنت قد خططت لها في السابق، وعانيت كثيرًا من رفض المشرفين للعنوان بحجة أنه ليس له علاقة بالتربية، وبأنها دراسة صعبة للغاية ولا يمكن إجراؤها وتحتاج إلى مجهود كبير جدًا ، ولكنني تحديت وصبرت وكان لدي إصرار شديد على نفس العنوان حتى وافق أحد المشرفين الرائعين على الاشراف عليها ووعدني بأنه سوف يساعدني ويقف إلى جانبي حتى النهاية، وهو الدكتور “فايز محاميد”، وبفضل الله تعإلى تحديت كل الصعاب وتجاوزتها وأنجزت الدراسة بنجاح ..وخرجت بنتائج مهمة جدًا أتمنى أن تصل إلى الاخصائيين وصناع القرار حتى يدركوا أن المشكلة كبيرة جدًا وتحتاج إلى حلول سريعة وجهود جادة لتغير الواقع إلى الافضل .
4. العالم طور مؤسسات ومراكز للتعامل مع التوحد وأطيافه منذ أكثر من خمسين عاماً.. لماذا برأيك تأخرت الدول العربية في إدراك هذا الأمر؟
لأن الدول العربية متأخرة في كل شيء، وليس غريبًا عليها أن تتأخر في مجال اضطراب  طيف التوحد، خصوصًا أن هذا المجال يحتاج إلى إمكانيات مادية وعقول بشرية وجهود لا يستهان بها.. وطبعا دولنا العربية غير مستعدة لصرف الأموال على تطوير العلم والتعلم والبحث والدراسة، هي في الغالب تحب أن تاخذ النتائج جاهزة ..وبالنسبة للعقول هي موجودة لكن لا يوجد داعم لها، فكل من يفكر بالبحث عن شيء جديد يتم قمعه وإحباطه وإفشاله .. وهذا رأيي الشخصي مما شاهدته .
5. هل تعتقدين أن هناك أطفال قد يكونون مصابين بالتوحد، أو طيف التوحد، دون أن يدرك آبائهم أو معلموهم في المدارس ذلك؟
نعم أكيد، وأنا أثبت هذا الاعتقاد من خلال نتائج دراستي التي توصلت اليها، فمن ضمن الاطفال الذين وجدت لديهم مؤشرات سلوكية تدل على وجود اضطراب طيف التوحد لديهم، أطفال كانوا غير مشخصين مسبقًا من أي جهة، وكان المعلمون والمدراء والأهل في حيرة من أمرهم عن ماهية حالة هؤلاء الأطفال، وأنا أيضا بحكم تجربتي كنت أحد هؤلاء الأهل لأني كنت لا أعلم بأن ابني مصاب بالتوحد حين كان موجود في الروضة 6. كيف كان تعامل المراكز والجهات المختصة حين توجهتم لها؟
توجهت إلى مركز واحد فقط عندما كان طفلي بعمر الخمس سنوات وكان سيئاً جدًا، ثم توجهت إلى معهد جديد أفضل من المراكز السابقة تم انشاؤه حديثاً نسبياً، وهو معهد النجاح للطفولة ولكن هذا منذ سنتين فقط، وأنا الأن أتابع معهم بنظام الجلسات، واحيانا أتوقف بعض الوقت لأنه مكلف جدًا ويحتاج ميزانية عالية جدًا لا أستطيع تغطيتها بشكل مستمر.

7. نصائحك للأمهات اللواتي يعاني أبناؤهن من طيف التوحد؟
نصيحتي لكل أم لديها طفل مصاب بالتوحد، إذا علمتي بأنه مصاب تماسكي، لا تجزعي ولا تحزني، بل اشكري الله صباح مساء على هذه المنحة الربانية، فهم منحة من الله، فهؤلاء الاطفال قد يكونوا لنا شفعاء بإذن الله يوم القيامة، وربما يكون دخولنا للجنة بفضلهم، ولكن المهم أن نكون على قدر هذه الأمانة ونعطيها حقها من الرعاية والاهتمام والحب والتضحية، توكلي على الله واطلبي منه العون والثبات والصبر وتحمل هذه المسؤولية.. ومن توكل على الله كفاه.. ومن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ..
ونصيحة اخرى ومهمة جدًا ،، لا تخجلي لا تخجلي أبدا من ابنك المصاب بالتوحد، فلقد صادفت الكثير من الأمهات اللواتي يخجلن من أطفالهن المصابين، وكأنهم عار عليهم، وللأسف هناك حالات يتم حبسها في أماكن لا يعيش فيها إلا الحيوانات بسبب جهل الاهل وقلة إيمانهم ..

فلا تخجلي أبدا ,, بل كوني فخورة بهذه الهدية، وكوني على يقين أنك إذا أعطيته الاهتمام والحب ولم تهمليه، فإنه سوف يتطور شيئا فشيئا، وسوف يفاجئك بالتطورات التي تحصل له، وبالمواهب الموجودة لديه، فهو ليس متخلفًا بل مختلف .. ويحتاج فقط إلى رعاية خاصة وطرق خاصة في التعامل والتعليم ..وابحثي عن الاشياء المميزة لدى طفلك، واعملي على تنميتها واصنعي من طفلك شخص مختلف ومميز من خلال موهبته.

وأخيراً .. كوني أنت الاخصائية لطفلك .. ..
كيف ذلك ؟ ابحثي واقرئي عن التوحد، وطرق العلاج والتعامل معه ، وكلما بحثتي أكثر كلما فهمتي أكثر كيف تتعاملين معه، وبالتالي ساعدتي طفلك على التطور إلى الافضل ..وخير أخصائية للطفل هي الأم .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.