ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

مذبحة حماة.. الحصاد المر للنظام السوري

ليس صوابًا النظر إلى مجزرة حماة بمعزل عن أحداث الربيع العربي الذي أفرز الثورة السورية في شكلها الأولي عام 2011، قبل أن تتحول أصوات المظلمين من المناداة بتغيير محافظ درعا إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، وما تزال تصلي بنارها الشعب السوري المتشبث بأرضه، فضلًا عن أولئك الذين فروا بجلودهم.
نقول لا يصح النظر بين أحداث حماة وأحداث سوريا الحالية بمنطق الثنائية الحدثية، وإنما أن نجعلهما واحدًا لا يفترقان؛ ذلك أن من المشتركات بينهما أن الأب سابقًا والابن الآن استعملا الأسلوب نفسه في معالجة الأزمة من قتل وسلخ وقصف وعزل وتعذيب وتشريد واعتقال ووحشية.
بيد أنَّ من غير المتشابهات بين الحادثين أن مجزرة حماة وقعت في عصر الشاشة الوطنية الواحدة، على حين أن الاحتراب الأهلي في سوريا اليوم جاء في عصر الإعلام المفتوح والسوشال ميديا؛ الأمر الذي امتنع معه نقل أحداث المجزرة بعيدًا عن النشرة الرسمية لشاشة النظام، بينما كانت أحداث الثورة السورية منذ عام 2011 وحتى يومنا هذا تُرى وتُسمع أولًا بأول.

توطئة
اليوم: الثاني من شباط لعام 1982.
الساعة: الثانية صباحًا.
المكان: مدينة حماة.
المَهمة: إخماد المعارضين السياسيين ممثلين بجماعة الإخوان المسلمين.
المدة: 27 يومًا.
الضحية: سكان حماة.
الجلاد: رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد.
الحصيلة: تشريد 100 ألف، ومقتل ما يقرب من 40 ألفًا، واعتقال الآلاف.

مقدمة
شكلت مجزرة حماة محطة حاسمة في تاريخ سوريا الحديث، إذ استطاع رئيس سوريا آنذاك حافظ الأسد القضاء على جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، مشردًا عشرات الآلاف من رموزها ومن السكان المحليين.
سبق المجزرة صراع بين حزب البعث بقيادة الرئيس حافظ الأسد وجماعة الإخوان المسلمين التي كانت في تلك الفترة من أهم قوى المعارضة في البلاد.
زعم النظام السوري وقتها أن جماعة الإخوان تسلح كوادرها، لتنفيذ الاغتيالات، وإثارة أعمال عنف في سوريا، على أن المحرك المباشر للمجزرة كان سببها مقتل مجموعة من طلاب مدرسة المدفعية في يونيو/حزيران 1979 في مدينة حلب شمال سوريا، ثم محاولة اغتيال فاشلة للرئيس حافظ الأسد في 20 حزيران عام 1980، لكنَّ جماعة الإخوان المسلمين نفت التهم الموجهة إليها، ولا سيما أحداث مدرسة المدفعية.
وعلى الفور، أعلن النظام السوري الإخوان المسلمين جماعة محظورة، وحكم بالإعدام على كل من ينتمي إليها.

العائدون من الموت
أورد تقرير اللجنة السورية لحقوق الانسان شهادات عدد من الناجين من مجزرة حماة، مشيرًا إلى أن المجزرة كانت عبارة عن مجموعة من المجازر المتفرقة التي أتت بمجملها في النهاية على نحو خُمس أبناء المدينة.
وبحسب شهادات الناجين، أورد التقرير أن أكثر المجازر الجماعية ترويعاً، ما كان يحدث في الساحات العامة، وفي المقابر؛ فلم تسلم من هذه المجازر حتى المستشفيات والمدارس، وكل مبنى حُول إلى معتقل في فترة المجزرة.
ومن هذه المجازر التي أفصح عنها التقرير مجزرة حي حماة الجديدة؛ إذ تم تجميع الأهالي في الملعب البلدي، ونهب بيوتهم، ثمّ العودة إليهم وقتل قرابة 1500 بنيران الرشاشات.
أما مجزرة حي سوق الشجرة فقُتل فيها 160 مواطناً رمياً بالرصاص أو دفناً تحت الأنقاض، وحُشر 70 آخرون في متجر لبيع الحبوب، جرى بعدئذ إشعال النار فيه.
ومن المجازر التي ذكرها التقرير: مجزرة حي البياض، ومجزرة سوق الطويل، ومجزرة حي الدباغة، ومجزرة حي الباشورة ..إلخ.

منظمة العفو الدولية
أرسلت منظمة العفو الدولية تقريرًا إلى حافظ الأسد عام 1983 جاء فيه: “.. يقول بعض المراقبين: إن الأحياء القديمة من المدينة ضربت بالقنابل من الجو لتسهيل دخول القوات العسكرية والدبابات خلال الطرق الضيقة، مثل حي الحاضر الذي محقت الدبابات بيوته خلال الأيام الأربعة الأولى من القتال.
وفي 15 شباط بعد عدة أيام من قذف القنابل الشديد أعلن وزير الدفاع السوري اللواء مصطفى طلاس أن الفتنة قد أُخمدت.
غير أن المدينة بقيت محاصرة ومعزولة، واستمر التفتيش والاعتقال على نطاق واسع خلال الأسبوعين التاليين، وانتشرت أخبار متضاربة عن الفظائع التي ارتكبتها قوات الأمن، وقتل السكان الأبرياء بالجملة، وليس من السهل معرفة ما حدث على وجه التحديد، غير أن منظمة العفو الدولية قد سمعت عن إعدام جماعي لسبعين شخصاً خارج المستشفى المدني يوم 19 شباط/ فبراير، وأن سكان الحاضر لقوا حتفهم على أيدي سرايا الدفاع في نفس اليوم.
وأن أوعية معبأة بغاز السيانيد قد ربطت بأنابيب من المطاط في مداخل المباني التي يظن أنها مساكن المتمردين. ثم فتحت فيها وقضت على جميع سكانها، وأن الناس جمعوا في المطار الحربي وملعب المدينة وفي الثكنات العسكرية وتركوا في العراء أياماً بدون مأوى ولا طعام.
إن أحداث القتل والإعدام المجاوزة للقانون التي أوردناها هنا هي مخالفة خطيرة للحق في الحياة، ذلك الحق المقدس الذي نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية (المادة 16): لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة، ويحمي القانون هذا الحق، ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي”.
تشير التقارير التي نشرتها الصحافة الأجنبية عن تلك المجزرة إلى أن النظام منح القوات العسكرية كامل الصلاحيات لضرب المعارضة وتأديب المتعاطفين معها، وفرضت السلطات تعتيماً على الأخبار لتفادي الاحتجاجات الشعبية والإدانة الخارجية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.