ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

(محمد الرمحي) في عامه الثلاثين

كنت قد انتقلت إلى قسم (9) في سجن (نيتسان) في الرملة في نهايات سنة 2006، وبعدها بأسابيع قلائل – بتاريخ 22/12/2006 – وقف يخطب الجمعة فينا شاب ضئيل الجسم، صغير السن، ولكنه كان لافتًا للنظر، وقد كتبت في مذكراتي يومها:
” خطب الجمعة شاب صغير لمَّا يبلغ العشرين من عمره، اسمه (محمد الرمحي)، وكان موضوع خطبته عن الوحدة، الشابُّ خامة جيدة، فرغم صغر سنِّهِ وضآلة جسمه إلا أنَّ له صوت خطيب، ولغتُه العربية جيدة، وألفاظه جزلة، ويتكلم بانسيابٍ بلا تلعثم، ويبدو أنه يحفظ خطبته حفظًا، فرغم أنها مكتوبة، إلا أنه كان يختلس النظر إلى الورق اختلاسًا، ولا يقرأ منه قراءة، وعلى الإجمال فهو مشروع خطيب متحدث مفوّه، أسأل الله أن يهديه ويثبّته ويفرج عنه ويعينه على الارتقاء بنفسه، فمن القصور عليه وعلى من حوله أن لا يكون هناك برنامج للارتقاء بمثل هذه النوعيات بحيث يتزودون بمادة علمية وفكرية، فتكون معهم الأداة التي وهبهم الله، والمادة التي تعمل بها تلك الأداة, اللهم احفظه لأهله وإخوانه وانفعه وانفع به، آمين”.
كانت هذه هي نقطة البداية في تعرفي عليه.
وكان من قناعاتي التي كنت ولا زلت أؤمن بها أننا يجب أن نعتني بأمثال هذا الشبل ممن لديهم إمكانات مميزة، فهم جيل المستقبل الذي سيحمل الراية يومًا ما، ومن العناية بهم أن يتم تشجيعهم وتوجيههم، فبالتشجيع يستمرون في العطاء، وبالتوجيه يحافظون على الارتقاء.
بعد خطبة الجمعة ذهبت إليه وتعرفت عليه، وأثنيت على خطبته، واستأذنته أن يسمح لي بأن أنبّهه إلى ما يساعده على الارتقاء بنفسه في الخطابة وتجاوز ما قد يتعثر فيه، فوجدت لديه سرورًا بذلك وترحيبًا، وللأسف فإن بعض مشايخنا الأفاضل – غفر الله لنا ولهم – عندما يجدون شابًّا كهذا ولا بدَّ له في بداياته من أن تكون له أخطاء فإنهم بدلًا من تشجيعه وتوجيهه، يقومون بتقريعه والتقليل من شأنه، كأنهم يخشون أن ينافسهم في ما يقومون به.
بعدها كنت أجلس معه بعد كل خطبة جمعة كان يلقيها، فأنبهه إلى الإيجابيات فيها ليقوم بتعزيزها، وإلى السلبيات ليقوم بتداركها، وقد كان فتىً نبيهًا، كنت كل يوم أكتشف مقدار التميّز الذي يتمتع به، وكان فتًى أديبًا تَشِفُّ سلوكياته عن تربية طيبة تلقاها في بيته من والدين كريمين فاضلين.
انضمّ بعدها لحلقة تعليمٍ للقرآن الكريم كنت أدرّسها، وكان فيها معه أربعة آخرون، منهم حفظة للقرآن، كبار في السن، وحاصلون على شهادات عليا في علوم الشريعة، وكان هو – وهو أصغرهم سنًّا – الأميز من بينهم، والأكثر نباهةً في التلقي.
كانت النيابة تطالب بأن يتم الحكم على (محمد) بالسجن المؤبد، ولاحقًا صدر الحكم عليه بالسجن (23) عامًا، بينما حكم بقية أعضاء مجموعته بالسجن المؤبد، وكان من المفارقات التي قدرها الله تعالى أن الذين تم (تأبيدهم) أفرج عنهم في صفقة وفاء الأحرار، بينما بقي محمد في السجن.
وعندما انتقل من سجن الرملة بعد صدور الحكم عليه كتبت في مذكراتي حينها أصفه بأنه “من خواصِّ تلاميذي النجباء الذين أتوسم فيهم أن يكون لهم شأن”، وكنت قد وصفته مرة أخرى في مذكراتي بأنه “من أفضل تلاميذي الذين علّمتهم في السجون، ذكاءً وتوقدَ ذهن ورغبةً في التعلم مع سرعة استيعاب مميزة”.
الفراق في السجن صعب، فأنت تفارق أحبابك ولا تدري أيكتب لك أن تراهم في هذه الدنيا أم لا! ويبقى الشوق والأمل في القلب.
بعدها بعدّة أشهر، وكنت خارجًا في بوسطة إلى المحكمة من سجن الرملة إلى محكمة عوفر، وبعد أن صعدنا في باص البوسطة فإذا بالحبيب (محمد) يُطلُّ داخلًا إلى الباص، فشعرت بسرور عظيم لرؤيته، واعتنقته مقبّلًا ودموعي تفيض من عينيّ، فقد كنت أظنّ أن لن أراه في هذا الحياة الدنيا، وقد مضى ذلك اليوم برفقته قصيرًا سهلًا ممتعًا، وقد استمعت منه لأخباره وأخبار الأحباب في سجن (رامون)، وكان مما حدثني به يومها أنه قال لي: كنت أعتبر الحكم بالمؤبد والحكم بـ (23) سنة سيان، غير أني التقيت بأحد الإخوة من طولكرم غيّر نظرتي للموضوع، فقد كان محكومًا بالسجن (25) عامًا، وأخبرنا أنه كان مثلنا يعتبر ذلك كالمؤبد، وقال لنا: لكن اليوم قد أمضيت (23) عامًا من سجنتي، وبقي لي عامان منها، فهناك تاريخ إفراج أنتظره، وكلما مرَّ يوم اقترب ذلك التاريخ، بينما إخواني المحكومون بالمؤبد لا تاريخ معلومًا للإفراج عنهم، فأدركت الآن أن الأمران ليسا سيّان.
في سجنتي التاسعة (سنة 2016)، وكنت في سجن عوفر طلبت الانتقال إلى سجن النقب، وكان من أسباب ذلك رغبتي في رؤية الأحباب الذين هناك، من إخواني الذين لم أرهم منذ فترة طويلة، وكان منهم (محمد) الذي كان قد أرسل لي في سجنتي السابقة يطلب مني أن أنتقل إلى النقب عندهم، ولم تكن الظروف مناسبة أيامها لذلك.
ولكني عندما وصلت سجن النقب وسألت عنه، فوجئت بأنه انتقل إلى سجن هداريم، وهكذا هي حال السجون، لا يستقر فيها قرار أحد، ثم عاد من هداريم أثناء وجودي في النقب، وطلبت من التنظيم أن يحضروه عندنا فقالوا أنهم يحتاجونه ليكون (دوبير) قسم الكرافانات، أي (المتحدث باسمهم لدى الإدارة)، ووعدوني أن يرتبوا لي رؤيته، وقد كان هذا فالتقيته في زيارة كنت أنا وهو فيها إلى قسم (4) في النقب، وقد سررت بلقياه والحديث معه، واستمعت لأخباره، ولاحظت كم كَبُر هذا الفتى الذي التقيته سنة 2007، وعمره (18) عامًا، وها أنا أعود للقائه بعد أن قضى – حينها – أكثر من (10) سنوات في السجن من حكمه البالغ (23) عامًا.
وكان قد وصلني عن طريق بعض الإخوة الذين التقيتهم في البوسطات في سجنات سابقة أنه مرت عليه فترات كان فيها محبطًا، وكانت نفسيته سيئة؛ لأنه صُدم من تصرفات سلبية لبعض المشايخ الكبار، الذين كانوا يتعاملون مع فئة الشباب بنوع من عدم الثقة، بل والاستخفاف، فلا يسمحون لهم بالتعبير عن آرائهم، ولا حتى بإبراز مواهبهم، وفي لقائي به الذي لم يستمر إلا لساعات قليلات فضفض لي بأشياء مما في صدره، واشتكى من تصرفات بعض إخوانه، فحاولت رفع معنوياته، وشدَّ أزره، وشرحت له أن ما لقيه أمر طبيعي، وأن الذين يظنون أنهم هم وحدهم من يمتلكون القدرة على القيادة والعمل موجودون لدينا، والمهم أن لا نستسلم لهم، وأن لا تنتقل إلينا عدواهم، ووجدته قد نضج، وصار متفهمًا أن مجتمع الحركة الإسلامية فيه – كغيره من المجتمعات – إيجابيات وسلبيات، وإن كانت سلبياته أقل من غيره، وأنه لا ينبغي له أن يُصدم عندما يواجه السلبيات في هذا المجتمع، بل يجب أن لا يستسلم له، وأن يعمل على معالجتها.
(محمد عمر الرمحي) أنهى اليوم العام الثلاثين من عمره، وهو لا زال في سجنه، وقد مضى من حكمه نحو (13) عامًا، وبقي له منه (10) أعوام، إلا أن يقيننا أن الله تعالى سيمن بالفرج قبل ذلك، وعسى أن يكون هذا الفرج قريبًا، وأن تقرَّ عيون والديه به، ويفرحا به وبذريته، وأسأل الله تعالى أن يتقبل منه، ويبارك فيه، ويعجل بفرجه، ويجعل قابل أيامه حرية وسعادة وهناءً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.