اشرقات ثقافية

العَلْمانية.. الماضي والحاضر

نشأت العَلْمانية في عصر التنوير الأوروبي كنداء لإسقاط سلطة الكنيسة الكاثولوكية التي طغت في البلاد، فأحرقت العلماء، وعزلت الرؤساء، وسرقت الأموال فكان ليس دون كلمتها كلمة في الدولة.
وإذا كانت العلمانية إبان ولادتها تُشكل ثورة على فساد الكنيسة، وانعتاقًا من الحجر على العقل، فإن خطورة العلمانية الحديثة تكمن في كونها تدعو إلى فصل “الدين” عن “السياسة”؛ بزعم أنهما لا يجتمعان، فلكل خصوصيته، بل إنها أخذت في كثير من الأحيان معنى اللادينية.
يَرُد العلامة محمد الخضر حسين في كتابه “ضلالة فصل الدين عن السياسة” على هذه الشبهة فيقول: “ثلاث حقائق كل واحدة منها شطر من الإسلام؛ عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، واشتمال شريعته بنصوصها وأصولها على أحكام ما لا يتناهى من الوقائع، فضلًا عن أن هذه الشريعة أحكام ما تساس بهه الأمم”.
ومن هذا نستظهر أن من يزعم أن الإسلام محض عبادات بحتة هو جاهل بالإسلام نفسه؛ ذلك أن جوهر الإسلام يدخل في القضاء والسياسة والمعاملات، وأحكام البيع والربا والرهن والدين والإشهاد والحجر على الأيتام والوصايا والمواريث وأحكام القصاص.
وإن دينًا جاء عقيدةً تنظم علاقة الناس بربهم، وشريعةً تدير جميع شؤون الحياة كلها، فإنه خليق به أن يكون محل إنفاذ الأحكام الشرعية، وصيانة الحقوق، ووصول الدين إلى أهدافه وأغراضه في حفظ الدين والنفوس والعقول والأعراض والمال وغيرها.
وللمفكر الإسلامي محمد عمارة كلام يشابه هذا يقول فيه: “إن سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة، ما يدل دلالة قاطعة على أن للدين سلطانا على السياسة، الأمر الذي يدل على أن من يدعو إلى فصل الدين عن السياسة إنما تصور دينا آخر وسماه الإسلام!”.
وإذا كان علماء الإسلام ومفكروه يرون عدم انتهاء دور الدين كقوة فاعلة رئيسة في الحياة العامة، فإن مفكري الغرب يشاركونهم الرأي نفسه، فهذا رودني ستارك أحد أبرز علماء اجتماع الدين يقول: “على مدى ما يقرب من ثلاثة قرون، دأب علماء الاجتماع والمثقفون الغربيون البارزون على تأكيد أفول الدين. وساد اعتقاد بأن التحديث هو المحرك الذي سيتسبب بصورة حتمية في إقصاء الدين عن الحياة”.
ويضيف ستارك: “لا بد من إعلان نهاية إيمان علم الاجتماع بنظرية العلمنة، والإقرار بأنها لم تكن إلا محصلة لأفكار وتوجهات محببة. فبعد نحو ثلاثة قرون من إخفاق نبوءاته، حريٌ بمبدأ العلمنة أن يُلقى في مقبرة النظريات الفاشلة”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق