قصة قصيرة

قصة : جوانح مكسورة


يضغط على السيجارة ويشد الخناق عليها كأنما هي المسؤولة عن كل ما جرى، يفركها بكل ما أوتي من قوة و يمارس طغيانه عليها ثم يطرق على الطاولة ويصرخ:
– يجب أن نحرقهم ، نهجرهم و نبيدهم ، حتى الطيور لا يجب أن تبقى حية كلهم خطرون ،خطرون و ملعونون لا يستحقون العيش ..
– سيدي ولكن هل أنت واثق من كلامك؟
– هل تظن بأنني مجنون ؟ بالتأكيد أنا واثق من كلامي ، لماذا نبقيهم أحياء ، الهجمات على الحدود ازدادت، إنهم يزدادون عزيمة يوماً بعد يوم ، (يسند ظهره الى الكرسي الأسود و يكمل ) ارهابيون قتلة؛ نفذ ما أمرتك به.
– ولكن يا سيدي..
– هل تحتمل الخسائر في صفوف جيوشنا؟ بالطبع لا؛ اذا نفذ ولا تعترض .. !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– الحرب .. الحرب ..الحرب
تهتز الكلمة في ذهن أبي سليم مع اهتزاز مقعده فتخرج من بين شفتيه وأفكاره الى مسامع العائلة لتغوي فضولهم وتطيح بقلوبهم المرتابة من تكرار هذه المفردة المرعبة ..
– يا أبي انك تردد هذه الكلمة منذ أن جلسنا هنا ..هلَا أطلعتنا على ما يجول في خاطرك؟
التفت أبو سليم الى ابنه وقال له :
– ماهي إلا أيامٌ قليلة يا بني ،أيام قليلة وتكتظ السماء بالات الموت الملهوفة والصواريخ المجنونة ، هذا الهدوء الذي ننعم به الآن سيتحول إلى صخب حفلات شواء للحم البشر و احتساء لكؤوس دموعهم ( إيييه يا سليم) الوضع خطير جداً و أمن البلاد بات على المحك ..
– نعم فقد طوقت المدينة و المناوشات على الحدود ارتفعت حدتها في الآونة الأخيرة .
الأم:
-أتعتقدان بأنه سيقضى علينا ؟!
– الوضع خطير جداً يا أم سليم
– خيرا إن شاء الله ؟
(و الطفلة الصغيرة مشدوهة الملامح ..)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الشبابيك تختلس العيون نظرتها وتسرق القلوب فرحتها ساخرة من الحرب ومن صواريخها خائفة من ساكنيها ، هي مبدأ الحكاية ونقطة البداية و استكمالها على كرسي الجامعة تحت شجرة ظليلة تلقي ظلها على الأرواح المحبة، تخبئها عن عيون الحرب تحتضن أحاديثها و تخفيها في جبها..
– سليم، هل فكرت يوما في من يخاف من الحرب أكثر القاتل أم الضحية ؟
– بالطبع الضحية
– ولكنني أعتقد بأنهما في خانة واحدة ، رغم توازيهما الا انهما متقاطعان
– وكيف ذلك ؟
– القاتل تلاحقه اطياف المقتول في صحوه ومنامه والضحية تطاردها اطياف قاتلها فوقوفها قبالة الموت يعني اضطراب روحها و تفكيرها الدائم: بأي مقصلة ستموت ؟!
– هذا منطقي ،(يصمت قليلاً ثم يتابع قارئاً ما أملته عليه أفكاره) يالدهاء الحرب يا حنين! فقد باتت تتوسط مجالسنا وتجذب الحديث باتجاهها مهما حاد عنها فكأنها عنصر جديد أضيف للهواء تحيط بنا من كل جانب ، وضرورة لا يمكن الاستغناء عنها ..
– رعبٌ و يمضي ..
– أخاف أن يمضي أحدنا معه .!
-لا تخف لن يطل صباح دون أن تطل علي من شباكه ، ولا يجدر بالشمس أن تصافح وجه الأرض إلا وأنت عليها
– إلا ونحن معاً عليها، تلك هي الحياة وما سواها عدم، إثنان أو لا أحد.. !!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على العشاء كان الجميع يتحدث عن آخر ضربات المقاومين وردة فعل العدو وعن مستجدات الأوضاع (والطفلة الصغيرة مشدوهة …) تشتد حدة حديثهم ويشتد معها ازدحام كلماتهم فتنسحب هي من مجالس العائلة المرعبة إلى الكوابيس المؤرقة ، تحمل زحمة أفكارها معها وارتجاف أحلامها وتختفي تحت سريرها، تختبئ في عتمته التي تنشط جنون أفكارها الصغيرة التي لا تفتأ تعبث بقلبها المسكين، فتبقى طيلة الليل تهذي بها :-
– حرب.. رعب.. دمار.. تهجير.. قصف.. صواريخ.. ركام.. دخان.. صوت الطائرات.. أبي.. أمي.. دميتي الصغيرة.. أخي.. غرفتي.. خائفة أنا خائفة.. ليت الحرب تموت، نعم ستموت، والدي قال بأن الجميع سيموتون. ولكن ماذا لو اغتالتنا قبل ذلك؟؟ (تندفع الى الباب هاذيه 🙂 سأغلق باب الغرفة ولكن الحرب لن تدخل من الباب فقط اللطفاء من يدخلون من الأبواب والحرب سارقة والسارقون يدخلون من الأسطح ولكن كيف سأغلق السطح و أمنعها من العبور خلاله يا الهي أنا خائفة خائفة جداً ….
كل ليلة تتزمل بغطاء الخوف ، وتغيب في أحلامها المخدوشة تركض وراء طفولتها محاولة ادراكها ولكنها تهرب منها وتبتعد كلما اقترب الحسام من الجيد لتتركها حائرة بين طفولتها و زخات الرعب المتساقطة على مسامعها..
تطوى الأيام الثقيلة وتتحقق نبوءة أبي سليم السباك ، تشمر الحرب عن ساعديها لتبدأ وجبتها الجديدة ، فتصحو الأرض المسكينة على وقع أقدامها الثقيلة وجريان أنهار الدماء مفزوعة مرتعبة تتخبط فيها المشاعر وليس بيدها حيلة سوى أن تحتضن أبناءها وتخبئهم في جوفها – إن استطاعت- … بإشارة من بنان طاغية تحرق البيوت الساكنة فتردى بقذيفة سارقة اقتحمت السطح أو النافذة شظايا متناثرة ، تباد الذكريات ، تغتصب الأحلام ، وتقضي الأرواح نحبها قبل الأجساد..
لا تكاد تنقطع أصوات التفجير لحظةً واحدة ، قصف يتبعه آخر وموت يتبعه آخر، فركام المنازل بات بمثابة قبور جماعية لساكنيه ..
– حاولوا البقاء بمحاذاة أساسات المنزل يا أولاد .
– يبدو بأن النيران اشتعلت في كل مكان .
يتبع سليم ساخراً فيما يسحب كرسياً ليجلس عليه:
– ماذا وراءنا فلننتظر لتشتعل النيران فينا..
تحول انشداه ملامح الطفلة الصغيرة وتخبط أفكارها الى دموع خائفة تكسو وجهها المرتعب كلما ارتفع صوت الصواريخ الذي جعل وجهها مصفراً كورقة خريفية على وشك السقوط..
– رغد .! لا تبكي يا صغيرتي انظري اليّ العدو شنَّ الحرب علينا لأنه يكره رؤية ثغور الصغار تضحك، فهو يريد أن يراهم يشهقون من شدة البكاء لذلك امسحي دموعك ولا تحققي ما يريده ابتسمي هيا يا رغد دعيه يموت قهراً ..
فكرت الطفلة في كلام أمها ولكن سرعان ما تبادرت فكرة الى ذهنها: كيف ستقهر العدو وهو لا يراها ؟! فَهَمَت بقول ذلك لوالدتها ولكنها لم تستطع ،حاولت عدة مرات إلا أن شيئاً ما كان يمنعها مما زاد من حدة بكاءها..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طيلة الوقت وحنين ترقد في أفكار سليم، قلبه ينبض باسمها وطيفها لا يغادر ذهنه يحاول الهروب من صورتها المتكررة في عقله لكنه لم يكن يهرب منها الّا اليها ، أفكارٌ تحييه و أفكارُ ترديه أمواج تتلاطم داخله بين كل قذيفةٍ وأخرى جميعها كانت تعبق برائحة الرحيل و أصوات الضياع .. بكاء أخته الصغيرة يقض مضجعه دموعها تنهال عليه كالجمرات تكوي روحه كياً ، أمه وأبوه الساكنين وفي دواخلهما دواماتٌ من الأسى ، كان يفكر في الجميع دفعةً واحدة فمن شدة ثقل أفكاره أسندت يداه رأسه ..
ولكن سرعان ما أفلتته ، وتحول سكون والديه الى اضطرابٍ وجزع ، أما الصغيرة فقد تحوصلت في حضن والدتها ظانةً بأن الصواريخ لا تعبر حجور الأمهات ، شعروا بأن الأرض زلزلت تحت أقدامهم و أن الحتف قد بات على بعد طلقةً أخرى فجمعوا شتات ذكرياتهم من جنبات منزلهم الذي عبرت شظايا القذيفة الى جداره فهدمته ،و أمالهم سحقتها كما حطام المباني ، أمسك الوالد طفلته الصغيرة أحاطها بكل قوته ثم صرخ :
-اخرجوا من المنزل هيا اخرجوا ، لا بد أن نهرب .

أسرعوا مبتعدين عن حضن بيتهم الدافئ الذي أحيل ناراً مشتعلة .. أخذوا يركضون عبر المدينة السوداء ووجهتهم الوحيدة هي النجاة ضاعت صرخاتهم وتماهت وسط صرخات الأهالي و أنين الحارات التي ضرّجت بالدماء وفاضت بدموع الأبرياء ،ساروا مع الركب الى أن وصلوا البحر فبعد أن لفظتهم الأرض أملوا أن يستقبلهم العباب ، امتلأت أجسادهم بالخدوش والجراح إلّا أنهم لم يشعروا وقتها بأي شيء سوى بالشروخ العظيمة في قلوبهم..
بعد أن التقطوا ما تبقى لهم من أنفاس واستنشقوا ما سمح العدو لهم باستنشاقه أخذوا يتفقدون بعضهم أنزل الأب طفلته المرتعدة خوفاً وحاول التكلم معها لكن كانت اجابتها الوحيدة هي مزيد من الدموع نظر الى الأم ونظرت الأم اليه ثم التفتامعاً الى الجانب الأخر لكنهما لم يجدا سليم بينهم!! فأوجسا في نفسيهما خيفة..

سألت الأم مشدوهةً : -أين سليم ؟ (أعاد الأب السؤال على نفسه أو عليها وعيناه مفتوحتان على وسعهما ) – أين سليم ؟ تركت الأم يد ابتنها وذهبت بين الجموع مصدومة تبحث في وجوههم عن فلذة كبدها عن أول فرحتها عن وحيدها ثم ما لبثت أن تحولت صدمتها الى دموعٍ أغشت عينيها ثم تدحرجت على خديها وصاحت : – سليييم ..سلييم .. أين أنت يا بني أين هو ثغرك الباسم أين هي قامتك الممشوقة ، سليييم سلييم (عبر صوتها المدى ولكن دون جواب !..) كان الأب يسأل كل من يراه يتلو عليه مواصفات ابنه علّ أحدهم مرّ بجانب طيفه ، ولكن عبثاً الجميع كان الجميع يجيب بالنفي توقف قليلاً دار حول نفسه دورةً كاملة نظر الى الحشد الكبير الهارب من الموت، كيف سيجده بينهم أين سيبحث ورغم ذلك تمتم بكل ما أوتي من رغبة:- -عساك تكون بينهم ..

 

لم يكد أبو سليم ينهي عبارته حتى لمح وجه شخص يعرفه اقترب منه فاذا به جاره أبو عماد أسرع اليه ألقى التحية واطمأن على سلامته و سلامة عائلته ثم بادله أبو عماد السؤال ، تنهد أبو سليم وأجاب : -زوجتي و ابنتي بخير و الحمد لله ولكن.. إكفهرت ملامح ابي عماد وكأنما فهم على أبي سليم زمّ شفتيه وتمنى ألف مرة ألا يكون ما رآه صحيحاً فاستحثه ليكمل : -ولكن سليم يا ابا عماد خرج من البيت معنا أنا متأكد بأنه كان معنا حتى آخر لحظة كان يركض خلفنا لكن عندما وصلنا الى هنا لم أجده سألت الجميع ( تدحرجت دمعة حبيسة على وجنته) سألتهم كلهم تلوت ملامحه عليهم ولون لباسه ألف مرة لكن الجميع أجابوا بالنفي..

لم يره أحد ..لم يره أحد ،،

انظر أمامك هناك الى المدينة المشتعلة الموشحة بالسواد ، لا يفتأ الضرب يهدأ لا مجال للدخول اليها ، هي ثقب أسود ولا يعود من يدخلها (ثم اتكأ على كتف الحزن وبكى ) موقفٌ لو حيّر بينه وبين الموت لما تردد في اختيار الموت ، يرى جاره وصديقه بحال لا يحسد عليها يبكي فقيده بيكي قلبه وقطعة من روحه فاجعة ضياعه من بين يديه أمرّ من وفاته أمام عينيه، جرح توغل فيه حد النشيج ، و أبو عماد المسكين بين ألف دوامة ودوامة كيف يخبره لا يريد أن يثقل كاهله ويقطع حبل أمله ولكنه لا يستطيع في الوقت ذاته أن يخفي ذلك لا يستطيع أن يرى جاره تائهاً في أحزانه فحينما يفكر في الكتمان تمر صورة ابي سليم في ذهنه عجوزا نهش العمر منه ما نهش مرتكزاً على عكازته يبكي فقدان ابنه وهو يضع فرضيات لما حدث معه ويعد السنين يحسب عمر ابنه لو كان موجوداً ..

 

رفع ابو سليم وجهه الى ابي عماد و قال بصوت متهدج تملؤه الحسرات مخاطباً آخر حبال أمله : – هل رأيته؟ اقتحمت كلمات ابي سليم الأخيرة ذاكرة ابي عماد الذي أخذ يستذكر لحظات الهرج والمرج حين كانت الصواريخ كالأمطار تسقط على رؤوس الناس ، يصرخون مرتعبين، الأشلاء تتزاحم و المباني تتهاوى على رؤوسهم يركضون دون وجهة سوى الخروج من فم الموت ، كان المشهد كفلم عرض بالتصوير السريع بين ولاول النساء و بكاء الأطفال بين القلوب المتهاوية و الألسنة المرددة :اللهم نفسي و عائلتي ، سقطت قذيفة أخرى كوت الأجساد كيّاً عاثت في الأرض كان ابو عماد في تلك اللحظات متمسكا بأطفاله و زوجته لكن وحين رج الصوت الأرض رجا التفت الى الوراء الداكن فرأى سليم..!

 

كان قد سقط أرضا والدماء قد ضرجت جسده لم يدر وقتها هل هو حي أم ميت حاول العودة ولكن أمواج الناس المتزاحمة حالته دون ذلك كان يخطو خطوة و يدفعونه عشرة لم يستطع الوصول ولا حتى القاء نظرة على شاب الحارة الرزين ، أما الأن و هو ينظر في عيني أبي سليم و الندم يعتصره ماذا سيقول ؟!

ليته يستطيع أن يهرب دون أن يجيب دون أن يواجه ويرى القلق في وجوه العائلة يتحول الى مرارة وغصة .!تنهد ثم وضع يده على كتف أبي سليمه ، استجمع قواه الواهنة وأخبر أخيراً عما جرى ..!

كانت الأم واقفة تتطلع بقلب متلهف وجل وحينما وصل الى عبارة : – لا أدري ان كان سليم على قيد الحياة لم استطع التحقق من ذلك أعذراني فدمه في رقبتي الى يوم الدين ..

قال ذلك وذهب بعيداً تاركاً اياهم في أحزانهم ومختلياً بنفسه وذنبه الذي لا يغتفر- من وجهة نظره- حينما طرقت الكلمات مسمع الأم نظرت حولها تمعنت الوجوه الباكية المسودة من كثرة الحسرة والأصوات المفجوعة المنبعثة من كل مكان تدور حول نفسها ترى زوجها يبكي بضعف لم تعهده فيه أبداً ثم تحملق في طفلتها التي ظلت صامته طيلت الوقت ولم تنطق ببنت شفة ، استمرت في الدوران حول نفسها وكلمات ابي عماد تتردد في ذهنها ، ثم بعد برهة توقفت عن الدوران و تقدمت معلقة ناظريها بشيء واحد أشبه بالخيال أو بطيف ظنته سراباً فهي أيضاً عطشة لرؤية ابنها..! كانت رغد واقفة بجانب والدها محملقة في أمها التي تركتها وسارت الى الأمام ..

 

بعد أن سمع أبو سليم ما رواه له أبو عماد نكّس رأسه و لم يرفعه اّلا حينما أحس بضربات واهنة على كتفه كأنما تنبهه لشيء ما ، كان مصدرها طفلته مشيرة الى الناحية التي ذهبت اليها أمها ثم التفت الى الوجهة التي تعلقت عيناها بها ، فانتفض واقفاً فرك عينيه من بقايا الدموع و نظر مرةً أخرى فانتشل صغيرته و بلمح البرق كان هناك ، يشاركهم الأحضان و القبلات في مشهد تقشعّر له الأبدان ، كان سليم واقفاً مع أمه حياً يرزق يقبل يدها و يمسح عبراتها ، وحينما رأى الوالد ابنه عادت له صورته وهو طفل في الخامسة من عمره تائها عنهم و حينما وجدوه أبرحوه توبيخاً وحدثو مرارا وتكرارا عن جزعهم عليه وخوفهم من أن يخطفه أحد فأعاد أبو سليم –دون أن يشعر بذلك-الجملة التي قالها لابنه قبل ثمانية عشر سنه : – انت طفلي الذي سيكبر بجانبي دوما لا تتركني مرة أخرى أنا و أمك نخاف جدا من أن نفقدك .!

 

ثم التفت الى يد ابنه المليئة بالدماء فتصورت له القذيفة التي حدثه عنها أبو عماد، فقال بحنو و عطف بالغين : – ما بال يدك يا ولدي ؟! – لم يهن عليّ أن أترك الوطن ، فأبقيت جزءً مني مغروساً فيه.! كانت الأم تبكي ، تبكي بد ابنها المبتورة وفرحتها بلقاءه، خليط من المشاعر كان يلفهم فألف صرخة لن تستطيع وصف فاجعتهم و ألف ضحكة لن تقدر أن تعبر عن مدى فرحتهم..

وبعد لحظة فيض المشاعر تلك انتبهوا الى وجود حنين الواقفة على بعد خطوات قليلة فدعتها الأم لتقترب و ما ان سلمت حنين عليها حتى فاضت بالدمع عيناها وبحرقة قالت: – لقد ماتوا جميعهم يا خالتي ، أمي أبي و أخواتي الصغار كلهم ماتوا ، لم يبقَ لي أي أحد في هذه الدنيا ، انتشلوا قلبي من أضلعي ، سرقوا بهجة الدار سرقوا والديّ قتلوا حلم أخي الصغير ، اختطفوا ألوان اختي الصغيرة و أخي الكبير لم يهن عليهم رؤية عيونه تلتمع فرحا باقتراب تخرجه فقتلوه .. ضمت الأم حنين وقالت لها : – لست وحدك ،كلنا معك ، انظري الي الان ألا ترين نحن سنبقى بجانبك ، فلتحتسبيهم شهداء عند الله فالظالم له يوم.. – ثم ازدادت حدة نشيجها وقالت بصوت متقطع: – انظري يا خالتي حتى يد سليم أخذوها ..!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

وصلت القوارب و السفن و صاحت المكبرات باللاجئين أن يصعدوا اليها فهي أرسلت من قبل الدول المجاورة لانقاظهم.! تحركت السفن محملة بمن أطلق عليهم “لاجئين” مبتعدة عن المدينة ، تعلقت عيونهم بها كانت شاحبة ومدمرة لم يعطوهم الحق في توديعها وهي بذات الحلة التي عهدوها بها البسوها وشاح السواد و رشوها بالأسى .. ارتسمت لحنين صورة عائلتها جالسة على مائدة الافطار ككل صباح ،متحلقين حول المائدة بحب وفرح، لكن الان قد فقدتهم الى الأبد كانت تودع ذكرياتها مع ابتعاد السفينة شيئاً فشيئاً و تستذكر اللحظات التي ضحى فيها سليم بقطعة من جسده وربما كان من الممكن أن يضحي به كله من أجلها حينما أصابته شظايا قذيفة بعد أن ركض مبتعدا عن اسرته ليتفقدها .. أما سليم فنظر الى يده المبتورة التي تركها في شوارع المدينة ليبقى له فيها أثر .!

و رغد ،،

رغد التي خبأت صوتها تحت سريرها فاختطفته قذيفة طائشة بعثرته فلم تعد هي قادرة على جمعه ،فقتل هو أيضا و دفن بجانب دميتها ..

أما الأبوان فقد تركا حياتهما كلها هناك ،،

رحلا وقلبهما مغروس في حاكورة الدار و روحهما طائرة في جنانه..! ..

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق