ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

السلطان عبد الحميد الثاني المفترى

رماه خصومه ومعارضوه بالحاكم الظالم المستبد، لكونه حكم حكمًا فرديًا من مقر إقامته في قصر ييلذر، وربط جميع مؤسسات الإمبراطورية بشخصه، لكن التاريخ يبرئ ساحته مما رُمي به، فقد نقل التاريخ تورعه عن سفك الدماء، وخاصة المعارضين الذين لجأ معهم إلى سياسة الاستمالة.

اسمه ومولده
عبد الحميد الثاني أو عبد الحميد ثاني.
وبالتركية الحديثة ultan Abdülhamid II أو II. Abdülhamid
ولد يوم الأربعاء في شعبان 1258 هـ/21 سبتمبر 1842 في “قصر جراغان” في إسطنبول ابناً للسلطان عبد المجيد الأول، والسلطانة “تيرمشكان” الشركسية الأصل.
يعد والده أول سلطان عثماني يضفي على حركة التغريب في الدولة العثمانية صفة الرسمية، وعُرف عهده بعهد التنظيمات الذي يعني تنظيم شؤون الدولة وفق المنهج الغربي، وتوفي وعمر عبد الحميد 18 عامًا.
أما أمه فهي فتوفيت عن 33 عاما، ولم يتجاوز عمر عبد الحميد عشر سنوات، فعهد بعبد الحميد إلى زوجة أبيه “بيرستو قادين” التي اعتنت بتربيته، وأولته محبتها؛ لذا منحها عند صعوده للعرش لقب “السلطانة الوالدة”.

عرش السلطنة
بويع عبد الحميد بالخلافة في (9 شعبان 1293 هـ = 31 أغسطس 1876)، وكان في الرابعة والثلاثين من عمره، وهو الخليفة السابع والعشرون في الخلفاء العثمانيين، وتولَّى العرش مع اقتراب حرب عثمانية روسية جديدة، وظروف دولية معقدة، واضطرابات في بعض أجزاء الدولة، خاصة في البلقان.
كانت البلاد تمر في أزمات حادة ومصاعب مالية كبيرة، وتشهد ثورات عاتية في البلقان تقوم بها عناصر قومية تتوثبّ لتحقيق انفصالها.

الحرب العثمانية الروسية
أرسلت الدول الأوروبية الكبرى لائحة للدولة العثمانية تقضي بتحسين الأحوال المعيشية لرعاياها النصارى، وإجراء إصلاحات في البوسنة والهرسك وبلاد البلغار، وتعيين الحدود مع الجبل الأسود، ومراقبة سفراء الدول الأوروبية تنفيذ هذه اللائحة، وعندما وصلت اللائحة للسلطان عرضها على مجلس المبعوثان (الذي كان رافضاً جر البلاد للحرب بسبب تردي الأحوال الداخلية والخارجية)، فرفض المجلس اللائحة؛ لأن هذا يعتبر تدخلاً صريحًا في شؤونها باسم حماية النصارى، وحتى لم تُستشار الدولة بخصوصها ولم تشارك في مناقشتها، فاستغلت روسيا رفض اللائحة واعتبرته سبباً كافياً للحرب، وقطعت علاقاتها السياسية مع الدولة العثمانية، وأعلنت الحرب التي عرفت باسم “حرب 93″، وفي هذه المرة تركت أوروبا روسيا لتتصرف كيفما تشاء مع العثمانيين، فاحتلت الأفلاق والبغدان وبلغاريا ووصلت أدرنة وأصبحت على بعد 50 كيلومترًا فقط من إسطنبول، كذلك دخلت جيوشها الأناضول، وعادت الصرب والجبل الأسود لتعلن الحرب على الدولة العثمانية، فاضطرت الأخيرة إلى طلب الصلح، وأبرمت معاهدة سان ستيفانو مع روسيا، اقتطعت فيهما بعض أراضي الدولة العثمانية، وفُرضت عليها غرامات باهظة، وهُجّر مليون مسلم بلغاري إلى إسطنبول.

سياسة الحكم
شعر السلطان عبد الحميد بأنه أجبر على قرار الحرب بسبب ضغوط مدحت باشا الصدر الأعظم الذي حرّض طلبة العلوم الدينية العليا للقيام بمظاهرات تجبر السلطان على الحرب. تصاعد الرأي العام على إثر هذه المظاهرات داعيا إلى الحرب. رأى السلطان أن هناك قصورًا في الرأي العام ممثلا في المجلس الذي دفع بالأمة إلى الحرب في غير وقتها وبدون استعداد لها أو حاجة إليها؛ لذلك قام بتعطيل الحياة النيابية إلى أجل غير مسمى في (9 صفر 1295 هـ = 13 فبراير 1878م)، واستمر هذا التعطيل مدة ثلاثين عاما ونصف، بعد حياة نيابية استمرت عاما واحدا.
والملاحظ أن السلطان لم يلغِ الدستور أو ينحيه، بل استمر نشر الدستور في النشرة السنوية للدولة طيلة 31 عاما متوالية دون انقطاع، وإن كانت أحكامه لم تطبق. ولم يجتمع مجلس الأعيان، ولكنهم استمروا في تقاضي مرتباتهم بصورة رسمية مدى الحياة.. وعلى هذا الأساس فإن السلطان أدار دولته بصورة شخصية دون مجلس، في ظل دستور يمنع تدخل السلطان في شئون الحكومة؛ لهذا وسم السلطان بصفة المستبد والديكتاتور.
ويلاحظ أن السلطان عبد الحميد كان بعيدًا عن سفك الدماء أو أسلوب الاغتيالات وتصفية معارضيه، وكان لا يلجأ إلى عقوبة السجن إلا في القليل، ثم يغيرها بالنفي. ولم يصدّق خلال سلطته الطويلة إلا على خمس عقوبات إعدام فقط، وهي أقل عدد من عقوبات الإعدام في تاريخ تركيا كلها.

توطين المهاجرين اليهود
نشط اليهود منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر إلى تهجير اليهود المتشتتين في أنحاء العالم وطالبوا بإنشاء دولة لهم في فلسطين.
كان الحادث المهم الذي أثار أوروبا ضد السلطان عبد الحميد هو رفضه إسكان وتوطين المهاجرين اليهود في فلسطين، فقد كانت أوروبا المسيحية تريد تصدير مشكلة اليهود التي تعاني منها إلى الدولة العثمانية.
وكان أول اتصال بين “هرتزل” رئيس الجمعية الصهيونية، والسلطان عبد الحميد، بعد وساطة قام بها سفير النمسا في إستانبول، في (المحرم 1319 هـ = مايو 1901م)، وعرض هرتزل على السلطان توطين اليهود في فلسطين، وفي المقابل سيقدم اليهود في الحال عدة ملايين من الليرات العثمانية الذهبية كهدية ضخمة للسلطان، وسيقرضون الخزينة العثمانية مبلغ مليوني ليرة أخرى.
أدرك السلطان أن هرتزل يقدم له رشوة من أجل تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وبمجرد تحقيقهم لأكثرية سكانية سيطالبون بالحكم الذاتي، مستندين إلى الدول الأوروبية.. فأخرجه السلطان من حضرته بصورة عنيفة.

الاتحاد والترقي
في عام 1889م وفي الذكرى المائة للثورة الفرنسية شُكلت جمعية سرية تسمى “جمعية الاتحاد والترقي” على أيدي طلاب المدرسة الحربية والمدرسة الطبية العسكرية وهدفها الوحيد هو عزل السلطان عبد الحميد الثاني، وإعادة الحياة الدستورية للدولة، وكان وراء تشكيل ماسوني ألباني يدعى “إبراهيم تيمو” أو أدهم كما يدعى أحياناً.
اكتشفت هذه الجماعة في 1897 م فتم نفي الكثير من أعضائها وفر بعضهم إلى باريس، فأرسل السلطان مدير الأمن العام الفريق الأول أحمد جلال الدين باشا لاستمالتهم للعودة فأقنع أكثريهم ومنحهم عبد الحميد مناصب كبيرة في الدولة.

عزل السلطان
يجمع الكثير من المؤرخين أن هذه الواقعة “واقعة 31 مارت” مدبرة بالكامل وأن أهدافها محددة من قبل الاتحاديين وبمساعدة من بريطانيا بالرغم من أن المطالب لا تجعل أحداً يشك أنها كانت منهم وبهدف إثارة القلاقل والفوضى.
فرتبوا شعارات دينية أثناء الحوادث التي افتعلوها مثل: “الشريعة تنتهك” أو “ضُيعت الشريعة”، وألصقوا هذا كله بالمسلمين واتهموهم “بالرجعية”. كانت الأسباب التي دفعت الاتحاديين إلى تدبير هذه الحوادث هي إقدامهم على فعل خطوات حساسة مثل قتل “إسماعيل ماهر باشا” والصحفيان المعارضان لهم “أحمد صميم بك” وحسن فهمي بك، وفي نفس الوقت ارتفعت معدلات الجريمة وتزايدها يوماً بعد يوم، وأيضاً قلق الشعب بسبب زيادة الجرائم، وظهور من يرغب بإعادة زمام الأمور إلى السُلطان عبد الحميد مرة أخرى، ودخول الجيش في السياسة، وتسريح العديد من الضباط والجنود المخالفين أثار قلقاً واسعاً.
اتهم المتآمرون الثائرون السلطان بأنه وراء حادث 31 مارت، وأنه أحرق المصاحف، وأنه حرّض المسلمين على قتال بعضهم بعضًا، وهي ادعاءات كاذبة كان هدفها خلع السلطان عبد الحميد، وأعلنوا عزله.
تنازل السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش لأخيه محمد رشاد في (6 ربيع آخر 1327 هـ = 27 إبريل 1909م)، وانتقل مع 38 شخصًا من حاشيته إلى سلانيك بطريقة مهينة ليقيم في المدينة ذات الطابع اليهودي في قصر يمتلكه يهودي بعدما صودرت كل أملاكه وأمواله، وقضى في قصره بسلانيك سنوات مفجعة تحت رقابة شديدة جدًا، ولم يسمح له حتى بقراءة الصحف.

الوفاة
تُوفِّي السلطان عبد الحميد الثاني في (28 ربيع آخر 1336 هـ = 10 فبراير 1918م) عن ستة وسبعين عامًا، واشترك في تشييع جنازته الكثير من المسلمين، ورثاه كثير من الشعراء، بمن فيهم أكبر معارضيه “رضا توفيق”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.