ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

السياسة من علم المناعة !

الحمد لله الذي صان أجساد الخلائق بدرع مناعي يحفظهم من كل داء , وسقى أسرار الحياة لكل غواص في بحار سحيقة الأعماق , وجعل التأمل والتفكر شراباً لذيذ المذاق , والصلاة والسلام على النبي العدنان وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين ..

أما بعد..

جعل الله -عز وجلَّ- من” التأمل والتعقل والتدبر ” طريقا للوصول إلى رحاب عظمته الجلية في إبداعه في خلقه , كما جعل لكل متأمل تواق نصيباً في الوصول إلى إشراقات النور والهداية ..

أما نسائم التأمل التي ساقها الله إلينا هي في استخلاص بعض من الدروس السياسية والامنية من المهام الوظيفية للجهاز المناعي في جسم الإنسان .

والتي سنجد من خلالها الكثير من السياسات التي أرساها الله في هذا الجهاز الدفاعي من تأسيس الوحدات الدفاعية , ومن بناء النضج الفكري والعقائدي في أعماقها , ومن تنمية الانتماء الوطني , ومن تأسيس عقيدة الولاء والعداء في العلاقات , ثم من بناء وتأسيس وتراكم القوة بشتى أشكالها , ثم بناء المنظومة الاستخباراتية و الامنية الراجعة , كل ذلك وأكثر نستخلصه من القواعد والأنظمة التي أرساها الله في الجهاز المناعي في خلقه , فهل سيكون الجهاز المناعي مدرسة للسياسيين والعسكريين والوحدات الامنية والدفاعية في الأوطان ؟!

وقبل تفصيل المقال لا بدَّ لنا هنا أن ننسج خيوط التشابه بين علم المناعة والحياة لنستخلص العبر ,

فلنشبه هنا جسم الإنسان بالدولة ،،

و لنعتبر أنَّ الدماغ الحاكم هو رأس هرمها , وأنَّ الأجهزة المتنوعة في جسم الإنسان من جهاز مناعي , وعصبي , وهضمي , وهرموني , وعظمي , وعضلي , ودوري , وبولي , وتناسلي .. هي بمثابة الوزارات التي تنظم العمل داخل أركان الدولة في شتى المجالات , وأن الجلد هو حدود الدولة , وأما تفصيل مقالنا هو عن “الجهاز المناعي ” الوزارة الدفاعية في جسم الإنسان “

و من خلال حديثنا عن بعض مهامها الدفاعية نستخلص العبر في التعامل مع أعداء الأمة و مغتصبي الاوطان , وسأسوق بعض تلك الاستتاجات مع عرضٍ موجز لبعض المهام الوظيفية للجهاز المناعية , كالتالي :

#أولاً :

إنشاء الوحدات المناعية المتنوعة , وبناء نضجها , وترسيخ عقيدتها الأمنية الوطنية ا !

بدايةَ يقوم الجهاز المناعي بتكوين الخلايا المناعية الدفاعية المتنوعة في نخاع العظم ; لحماية جسم الإنسان من الميكروبات التي تهاجمه , والتي إما قد تكون فيروسات أو بكتيريا أو فطريات أو أوليات , أما بعد تكوين تلك الخلايا فهي بحاجة إلى أن تنعلم وتنضج لكي تكون قادرة على التمييز بين الخلايا الذاتية المتنوعة في جسم الإنسان فلا يهاجمها وبين الميكروبات العدائية (الأنتيجينات) فيهاجمها , فمرحلة النضج للخلايا المناعية فتحدث في نخاع العظم للخلايا البائية , بينما تحدث في الغدة الزعترية ( الثيموسية ) للخلايا التائية .

وما يرشدنا إليه الجهاز المناعي هنا أنَّ رجال الدفاع عن الوطن بحاجة ماسة إلى تربية عقائدية أمنية مناعية خاصة تترسم في بناء عقيدتهم الأمنية الوطنية وفق مبادئ سامية تتلخص بالولاء للوطن والشعب والبراء والعداء التام من الأعداء , فعدوهم ليس أبناء شعبهم الذين قد يعارضون أفكار الحاكم , وليس المقاومين من أبناء شعبهم الذين خرجوا مجاهدين في سبيل تحرير الوطن من الاحتلال , كما لا يكون صديقهم العدو , ولا يعقد معه التنسيقات والتحالفات الأمنية المقدسة ! .

فالجهاز المناعي هنا يعلمنا أن العداء للمعتدي من أعداء الأمة الذين اغتصبوا أوطان الأمة , وسلبوا خيراتها , وانتهكوا أعراضها , كالأنتجينات المعتدية على جسم الإنسان تماماً , فلو تغيرت العقيدة الامنية للخلايا المناعية في جسم الإنسان وأصبحت صديقة للميكروبات ومهاجمة لخلايا الجسم بدلا من مهاجمة خلايا الميكروبات لتهالك جسم الإنسان ولمات ! ,وكذلك جسد الأمة الذي لا زال يطعن من هؤلاء صباح مساء ! ,

فلذلك يعد تولية ترسيخ العقيدة الأمنية الوطنية الصادقة في نفوس حماة الوطن من أهم المهام التي يجب أن تبذل لكي لا تحرف البوصلة الامنية كما في العديد من البلدان العربية والإسلامية والتي أدت إلى تحويل قوة القوى الأمنية إلى سيف مسلط على رقاب أبناء الأمة بدل عدوها , كما إدى إلى تغيير مفهوم التضحية لأجل حماية الوطن وحدوده وشعبه وممتلكاته وعقيدته ومبادئه إلى التضحية لأجل الحاكم , وأدى حماية الشعب وحرياته بكافة انتمائاته إلى قوة استبدادية في اعتقال من يخالففوا أسيادهم بالفكر والنهج , وبدل التوحد من المقاومين نراهم ينسقون أمنياً مع العدو , فالبوصلة يجب أن لا تحرف , كي لا يسقط جسد الامة مقتولاً من أعدائها .. !

# ثانياً :

في بناء القدرة البدنية والقتالية العالية فيما يجابه كافة أنواع الميكروبات المعتدية على جسم الإنسان بتنوع أشكالها و قواها :

في جسم الإنسان تنتج الخلايا المناعية على قدرات عالية من القوة النضج والتدريب والاختصاص العالي , فنرى التنوع في المناعة الفطرية , من تنوع كيميائي : كاللعاب وميكانيكي : كالجلد , , و كما تجد الخلايا البالعة التي تحتوي على الليزوزمات الهاضمة بداخلها لتحطم الميكروبات, وكما تجد في نظام الالتهاب الذي يعد الخط الدفاعي التاني عن الجسم , كما نجد التنوع في المناعة المكتسبة المتخصصة بخلاياها التائية المساعدة والقاتلى و الخلايا البائية , كما نجد التنوع التركيبي والجيني الهائل في الأجسام المضادة .. وهذا يعلمنا أن مجابهة العدو تحتاج منا التنوع في الأساليب والإعداد التام , فبعد زراعة العقيدة والولاء الوطني في نقوس الجند , يجب أعداد القوة الجسدية والعتادية ليكون الإعداد في تمامه , وكما أن تنوع الأساليب العدائية للأعداء لا يفتصر على الحروب العسكرية , فهناك حروب ثقافية ودرامية , وتزييف في التاريخ , فكلها تحتاج إلى من يتصدر جبهتها ..

#ثالثاً:

الخلايا المناعية تتعاون وتنسق فيما بينها تنسيقا أمنياً وطنياً لحماية جسمنا من الميكروبات المعتدية : ففي الجهاز المناعي نرى التعاون بين المناعة الفطرية والمناعة المكتسبة المتخصصة في جسم الإنسان لتوفير الحماية الفطرية بداية ومن ثم تنشيط المناعة المتخصصة ثانياً في حالة عدم القضاء عليه من قبل المناعة الفطرية , وهذا التعاون لحماية الجسم من كافة أنواع الميكروبات ,

كما أننا نرى التنسيق بين كافة الخلايا المناعية في عمل منظم مخطط للقضاء على الميكروب , فمثلاً نجد التعاون بين الخلايا البلعمية وبين الخلايا التائية المساعدة وبين الخلايا البائية وبين الخلايا التائية القاتلة , ففي حالة الالتهاب مثلا نجد التنسيق بين جميع الخلايا فالخلايا الصارية تفرز الهستامين لتوسيغ الأعية الدموية لتسهل هجرة الخلايا الدفاعية ولتزيد من نفاذية غشاء الأوعية لتسهيل انتقال الخلايا الدفاعية لمكان الإصابة , ونجد التنسيق بين الخلايا البالعة وبين الخلايا التائية المساعدة والخلايا البائية وبين الاجسام المضادة والمكملات وبين الخلايا التائية القاتلة , وكل يعلم دوره ومهامه , فالتنسيق فيما بينهم تنسيق شامل ضمن العقيدة الوطنية الدفاعية التي نضجوا عليها , فالتعاون والتنسيق بينهم بكون في القضاء على العدو المشترك , فهل نجد في أوطاننا تعاوناً للقضاء على العدو المشترك , أما أن التعاون والتنسيق يكون معه ضد الشعب ومصالحه وحقوقه !

#رابعاً :

توزيع المهام والأدوار و تغطية الحماية لكافة الأماكن في جسم الإنسان : ففي الخلايا المناعية تجد خلايا في الأنسجة مهمتها حمايتها هناك , وتجد خلايا دوارة في الدم , وتجد خلايا مناعية في كل الجسم , كما تجد العقد الليمقاوية التي تعتبر مصفاة لليمف , وتجد الطحال الذي يعمل كمصفاة للدم , فتجد التوزيع والتعاون بين كافة الخلايا المناعية وتغطيتها لكافة مواقع في كامل أنسجة الجسم .

كما نجد كل خلية مناعية تعرف دورها ومهامها , ونجد كذلك خلايا مناعية مختصة للعدو المحترف , ونجد مناعة طبيعية كالجلد واللعاب والأهداب والإفرازات الحمضية في المعدة , كما أننا نجد الوظائف المنوعة فمن الخلايا المناعية من يهاجم الميكروبات داخل الخلية فيقتل الخلية المصابة , ومنها ما يهاجم الأنتيجينات المنشرة خارج الخلايا من خلال الأجسام المضادة .. فهل تنعلم من إتقان الأدوار والمهام في اتقان المهام من الأدوات الهجومية العدائية لأعدائنا .؟!

#خامساً :

الخلايا الذاكرة : يتواجد في جسم الإنسان الخلايا البائية والتائية الذاكرة , وهي خلايا تحتفظ بذاكرة عالية الاختصاص تحفظ أي أنتيجين ” هاجم الجسم سابقا ففي حال معاودة هجومه مرة أخرى على جسم الإنسان فتحفز هنا الخلايا الذاكرة المناعة للقضاء عليه بشكل سريع قبل ان يجدث أي أعراض مرضية للإنسان منه , وكأنه هنا يعلمنا بإنَّ معرفتك المسبقة لعدوك , لنقاط قوته و ضعفه , وحصولك على معلومات كاملة مسبقة عنه من معتقداته وتاريخه وقدراته وأذرعه وطرائقه السياسية .. يسهل عليك القضاء عليه قبل أن يسبب أي ضرر في هجومه . !

وختاماًً ..

هذه بضع من الدروس وشطحات من التأملات في الدروس والعبر التي يقدمها لنا جهازنا المناعي الذي خلقه الله في أحسن تقويم , وما وفقت به فمن الله , وما أخطأت به فمن نفسي ومن الشيطان ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.