ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

تجديد الخطاب الإسلامي

كتب: عبد الرحمن نجم

ليس القرآن خطابًا إلهيًا لأمة بعينها دون سائر الأمم، بحيث يصير مقصورًا على جماعة دون جماعة، ولا هو خطاب ديني بحت يتوجه أقصى مراده إلى سمو الروح مع ترك الواقع مهملًا.
ولا هو خطاب نُخبوي يستنطق فئة عُليا منتخبة من المجتمع، ويشيح عن سواها من الفئات الدنيا، ولا هو خطاب كهنوتي يطلب مواصفات للمخاطبين يستأثرهم بها على سائر الناس، إنما هو خطاب عالمي “يمثل انعكاسًا للطريقة التي يريد بها الإسلام تنظيم هذا العالم” كما تَصوره المفكر علي عزت بيجوفيتش.
إن عالمية الخطاب القرآني حقيقة مقررة في غير موضع من كتاب الله تعالى، فالسياق القرآني استعمل لفظتي “الناس”: (يا أيها الناس ..)، و”العالمين”: (الحمد لله رب العالمين)؛ دلالة على العالمية بوصفها صفة ملازمة للخطاب القرآني، فضلًا عن آيات أخرى تُصرِّح بعالمية الرسالة المحمدية (وما أرسلناك إلا كافة للناس ..) و(أرسلناك للناس رسولًا) و(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا ..)
وما دام الإسلام خطابًا عالميًا، فإنه خليق به أن لا يكون خطابًا جامدًا لا يتفاعل مع حركة العمران الإنساني المتجددة بتجدد كل عصر.
والحق أن القرآن خطاب عصري لكل زمان، وهو حمّال أوجه دون تعارض، فلئن كان المقصود به وقت نزوله التحدي البياني للعرب يوم كان “سماعُهُ حُجة تُلزم الإيمان به” كما يقول العلامة محمود شاكر، فإنه يُفهم في زماننا على نحو آخر أيضًا.
فلَمَّا كان عهد النبوة الخاتمة الناسخة الديانات مبدوءاً بـ”اقرأ” (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ثم مَشْفوعاً بذكر فضل الله الذي عَلَّم بالقلم، عُلِم أن هذا الاستهلال القرآني الأول من نوعه إلى العالَمِين إنما يخاطب في بعض وُجُوهه الأمة العلمية التي تتخذ المعرفة والعلم سبيلاً لنهضتها الدينية، وإذا استقامت هذه الأخيرة للناس، واستوت على سُوقها نهضت بها الإنسانية جمعاء.
ولئن كان الفرد المسلم مأمورًا بتعاهد إيمانه وتجديده؛ عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “جددوا إيمانكم، قيل: يا رسول الله كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله”، فإنه من الحري بالجماعة المسلمة قاطبة أن تجدد إيمانها، وتجديدُها إيمانَها يُلْزمها تجديد الفهم للنص؛ ذلك لأن النص الديني أو المعرفة الدينية مصدر، والخطاب الإسلامي تَمَظهر وترجمة لذلك النص.
وإذا نحن سَلَّمنا بوجوب تجديد الخطاب الإسلامي، فإن هذا لا يعني تضييع ثوابت الدين، والتفريط بعقيدة المسلم نزولًا عند رغبة الحَدَاثيين والعَلْمانيين؛ نُشدانًا لرضاهم، وإنما يعني النظر الجديد في النظريات العامة في الإسلام السياسية والاجتماعية والفقهية الفرعية والأصولية على ضَوء فقه الواقع المَعِيش المتغير.
وبهذا النظر الجديد في فهم تعاليم الإسلام ننفض عن الديانة الجمود والكمون الذي عَلِق بها لقرون بعد إغلاق باب الاجتهاد؛ ما أوجد عنتًا ومشقة بين اجتهادات القرون الأولى من عمر الإسلام مع الواقع في القرن الواحد والعشرين.

والحق أن الإسلام إنما جاء لصالح الناس، فإذا ما آنسنا منه تعارضًا مع الواقع وَجَبَ علينا إعادة الفهم للنص من جديد؛ ذلك لأن العقل أداة الفهم للنص، والعقل ليس معصومًا من الخطأ والزلل والسهو، أما النص فمحفوظ بكفالة الله، ثابت لا يتغير أو يتبدل.
وعلى الجملة، فإن الإسلام ديانة متينة تملك جوابًا إسلاميًا متجددًا، قادرًا على مجاراة تقلبات الحياة وتغيراتها، وحين يأخذ المجتهدون على عاتقهم إحياء علوم الدين وتجديدها كما حاول الإمام أبو حامد الغرالي في سِفْره “الإحياء”، فإنهم يَحُولون بين النصوص وبين القراءة المتطرفة لها، فضلًا عن صِيَانتها من التوظيف السياسي في خدمة الديكتاتوريات والأيدولوجيات، فيُنزه الدين عن أن يكون أُلعوبة بيد أحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.