ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

من وحي فتح القسطنطينية

أرى في خيالي (محمدًا الثاني بن مراد خان) وعيناه تتطلعان إلى أسوار القسطنطينية وأفكارٌ تجول في خاطره، يتساءل فيها: أأكون صاحب هذا الشرف الذي بشّر به الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والذي تعب كثيرون قبلي في محاولة الوصول إليه، ثم أتخيله وقد دمعت عيناه وهو يناجي ربه ضارعًا إليه أن يكتب له ذلك، ثم يظهر – في خيالي – وقد سجد لله سجدة الشكر بعدما دخل المدينة التي تعب المسلمون وهم يحاولون فتحها منذ مئات السنين.

الحديث النبوي الذي كان عامل تحفيز للدول والمجاهدين الذين تسابقوا – عبر العصور – لنيل هذا الشرف، لأنهم كانوا على يقين أن البشريات النبوية لا بدّ وأن تتحقق، فالرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، بل هو يعبر عن وحي يوحى، كان ما رواه الصحابي (بشر الخثعمي)رضي الله عنه، وفيه قول النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ).

وكان (عبد الله) ابن الصحابي (بشر الخثعمي) يروي هذا الحديث عن أبيه، فسمع بذلك القائد الأموي (مسلمةُ بن عبد الملك) الذي كان قائد الجيوش التي تحارب دولة الروم، فاستدعاه ليسمع منه الحديث، قال عبد الله (فَحَدَّثْتُهُ، فَغَزَا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ).

وقبلها كان معاوية بن أبي سفيان رحمه الله قد أرسل جيشًا لمحاولة فتحها، وكان فيه الصحابي المشهور أبو أيوب الأنصاريرضي الله عنه، الذي توفي والمسلمون محاصرين المدينة، ودفت تحت أسوارها.

واستمرت المحاولات، وفي ذهن كل واحد ممن حاولوا ذلك أن ينال هذا الشرف (فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ).

وتروي كتب الحديث أن تلاميذ الصحابي الجليل (عبد الله بن عمرو)رضي الله عنهكانوا حوله فسألوه: أيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا؛ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟

فذكر لهم أن الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُئِلَ هذا السؤال فَقَالَ: (مَدِينَةُهِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا) يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ.

وهنا لا بدّ لنا من وقفة متأملة:

صيغة السؤال الذي وجهه تلاميذ (عبد الله بن عمرو) له، وصيغة جوابه، وقبله جواب النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، تشيران إلى أنه قد سبق هذا الجواب أن الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخبرهم عن فتح المدينتين، قسطنطينية وروما، وبشّرهم بذلك، وإلا لما سألوا عن أيهما تكون السابقة في فتحها، وهذا يقودنا للتساؤل:

لماذا كان الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يخبرهم بهذه الأمور الغيبية؟

وكيف كانوا يتعاملون معها؟

وهل نتعامل مع مثل هذه الأحاديث وفق منهجهم أم أننا انحرفنا في طريقة الفهم والتعامل معها؟

لعل قائلًا يقول:إن الإخبار عن المغيّبات يساهم – عند تحققها – بتعزيز الإيمان واليقين بصدق الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وهذا أمر صحيح، لكنه لن يتحقق حتى تصبح (البشرى) واقعًا يشاهده الناس، فماذا سيستفيد من ذلك من عاشوا قبلها؟!

لعل إجابتنا على السؤال المتعلق بكيفية تعامل الصحابة والسلف مع هذه الأحاديث يجعلنا نفهم سبب إخبار النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصحابهرضي الله عنهم ومن بَعدهم بهذه البشريات، وكذا إخبارهم بالفتن التي ستؤثر على الأمة في مسيرها.

لم يكن الصحابة رضي الله عنهم يعتبرون ما يسمعونه من رسولهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مجرد بشرى تدفعهم للتفاؤل، وإنما كانوا ينظرون إليها بأنها إضاءات توجههم إلى الطريق الذي يجب أن يسلكوه، وهكذا كانوا يفعلون.

تخيل معي لو أنك كنت في مكان مظلم عند مفترق طرق، لا تدري إلى أي المسالك تذهب، ثم انبثق (نور) من السماء أضاء لك مسلكًا وأوضح لك خلاله أنه سيوصلك إلى تحقيق إنجاز، فهل سيكون التصرف السليم أن تبتسم، وتفرك يديك فرحًا، وتستبشر، وتبقى واقفًا مكانك؟!

للأسف؛ فإننا في كثير من الأحيان نفعل هذا، بينما كان الصحابة والسائرون على نهجهم يعتبرون هذا (النور) الذي كشف لهم الطريق نقطة انطلاق، فيسيرون في ذلك الطريق، مهما كانت صعوباته ومشقاته، للوصول إلى الإنجاز الذي كُشف لهم أنه سيتحقق من سلوكه.

كانوا يعتبرون البشرى بفتح القسطنطينية أمرًا إلهيًّا بالسعي لتحقيق ذلك، مترافقًا مع طمأنة بأن النتيجة ستتحقق لا محالة، وكان وجود البشرى دافعًا لهد لعدم اليأس، ولتكرار المحاولة، إذ لو لم تكن البشرى موجودة فلربما يئس الراغبون بالفتح، وظنوا أنه لا يمكن أن يتحقق، ولكنهم – بوجودها – صارواعلى يقين من تحققها، فازداد إصرارهم على تحقيقها، ولذلك وجدنا أن المحاولات لفتح القسطنطينية لم تتوقف، رغم أن الكثير منها لم يصل لتحقيق الإنجاز، ولكن الذين كانوا يأتون بعد تلك المحاولات (غير الناجحة)كانت البشرى تلمع في أذهانهم، مذكّرة إياهم بأن (عدم نجاح) المحاولات السابقة لا يعني أنه الفتح لن يتحقق.

وهكذا كانوا يتعاملون مع الأحاديث المتعلقة بالغيبيات، سواء كانت أحاديث (تبشير) كهذه، أو أحاديث (تحذير)كالتي تحدثت عن الفتن، إذ كانوا يتعاملون معها على أنها جاءت لدلالتهم لسلوك طرق النجاة من تلك الفتن، وليس كما يتعامل كثيرون بيننا، الذين يستسلمون فيغرقون في تلك الفتن؛ لأنهم لم يحسنوا فهم المراد من ذكر الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لها.

لقد بُشّرنا بأن (الخلافة الراشدة) عائدة، وبُشّرنا بأن (القدس) ستكون عاصمتها، أي أنها ستتحرر من الغزاة الغاصبين، فالذين فهموا عن رسولهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مراده من هذه البشريات، شمّروا سواعد الجدّ، كما فعل محمد الفاتح ومن كانوا قبله، ليكونوا هم أداة تحقيق تلك البشريات، أما المتواكلون المتكاسلون، فهم في أماكنهم (قاعدون) ينتظرون تحقق البشريات، وعندما تتحقق سيفرحون، ولكنهم لن ينالوا شرف أنهم كانوا من صُنّاعها.

فلنتذكر: البشريات آتية متحققة؛ لأنها وعد الله الذي لا يُخلِف وَعدَه، فإن لم تكن من جند الله الذين يحققون الوعد، فإنه سيتحقق، وستخسر أنت هذا الشرف الذي فاز به آخرون.

م. عيسى الجعبري

6/2/2018

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.