ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

“وهنا أنا” عملٌ فني يضيء وسط عتمة السنون

مقابلة مع المسرحي: أحمد الطوباسي

يقف الفنان الحر، العائد رغم المغريات إلى وطنه، “أحمد الطوباسي” في منتصف المسرح، معلناً عن نفسه وعن الألوف المؤلفة من الفلسطينيين أمثاله، الذين دفنهم غبار الزمن، وداست أحلامهم جرافات الإحتلال، ليخبرهم أن الإحتلال سينجلي يوماً، وأن الأحلام لا تموت، وأن طائر الفنيق لا بد يوماً سيعود..
“وهنا أنا”، عمل فني مسرحي، قدمه أحمد وحده، بدايةً على خشبة مسرح مخيم جنين ولاحقاً في مختلف المدن الفلسطيني، يحكي قصة الفلسطيني بلسان العربي الفلسطيني، كتب السيناريو العراقي الشقيق “حسن عبد الرازق”، وأخرجته البريطانية “زوي لافيرتي”، وبدعم تقني من مدير المنصة “أحمد يوسف”
ما هو أكثر عمل فني قدمه “أحمد الطوباسي” قريب من روحه؟
هو عمل “وهنا أنا” لأنه يعبر عن حياتي أنا وحياة أي فلسطيني في عمري، هو تتويج لحياتي، من طفل ولد في مخيم للاجئين، في ظل الأزمات والمشاكل ومرت عليه مختلف الانتفاضات، وما زال حياً وباقياً، هو عملٌ قريب من روحي يتحدث بكل صدق عن كل ما مر بحياتي، وحياة الفلسطينيين، في هذا العمل بدأت بالحديث عني ومني، ولاحقاً سأبداً برواية حياة الآخرين.
كيف يرى الفنان أحمد الطوباسي تفاعل الشارع الفلسطيني مع فكرة المسرح والتمثيل؟
اليوم الوضع الفني أصبح أفضل مما كان سابقاً، هناك قبول متزايد للحركة الفنية، ربما لتراجع ثقة الجمهور بالحلول السياسية والعسكرية، وترسخ الفن كأداة مقاومة، مما قرب الشعب من الحركة الثقافية والفنية، رغم ذلك هناك فئات محافظة في المجتمع الفلسطيني تعتبر أن الفن يقدم أفكار هدامة وغربية، ولكن ما نقدمه هو العكس، فنحن نحاول ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية، واعتقد أن على المستوى الفني أن يكون أكثر تواضعاً وقرباً من الشارع الفلسطيني وعليه أن يحاول الدخول للفئات المحافظة وتغيير وجهة نظرها عنه.
\هل تعتقد أن الأفكار التي يطرحها المسرح قادرة على تجاوز االإنهيار في الوضع الفلسطيني (ضياع القدس، تهميش الأسرى، تراجع حق العودة، النبذ العربي)؟
المقاومة الفنية هي أداة فاعلة أثبتت قوتها في المرحلة الحالية، جنباً إلى جنب مع حركات المقاطعة، BDS، والتي أثرت في منحنى السياسة الخارجية الإسرائيلية وحولت كثير من الغربيين إلى متعاطفين مع الفلسطيني، واستطاعت فرض نفسها بأدواتها وسلميتها، اليوم أصبحت القضية الفلسطينية أكثر تردداً وانتشاراً في الغرب، وأصبح المزيد يعرفون عن غسان كنفاني ومحمود درويش وناجي العلي، عن الكتابات والروايات والرسم والأشعار الفلسطينية، لذلك علينا ألا نهمل أي سلاح أو طريقة بإمكانها إيصال صوتنا، اليوم نستطيع تقديم الوضع الفلسطيني للآخرين بشكل أفضل، ودون أن نتخلى عن إحدى الطرق، وإنما ندعمها ونعززها.
في الفترة المادية شاركنا بمؤتمر في الكويت، وقد تفاجأنا من الفهم الشعبي العربي للقضية الفلسطينية، فوجدناه قاصراً عن فهم مشاكل الاحتلال وضياع القدس وتهميش الأسرى وتراجع حق العودة، لكن المسرح استطاع سد الفجوة وتقديم المعلومة بطريقة مميزة.
سؤال يدوي في ذهن الكثيرين، لماذا فضل أحمد الطوباسي العودة إلى الوطن بذكرياته المؤلمة، بدلاً من البقاء في النرويج؟
قابلت الكثيرين مما يرغبون بالخروج من فلسطين وعيش حياتهم، لكن هدفي الأساسي من الخروج كان البحث عن وسيلة لتسهيل حركتي داخل أو خارج فلسطين، فقد كنت ممنوعاً من السفر، وأعاني صعوبة في التنقل بين مدن الضفة الغربية، لذا سعيت للحصول على أي جنسية أو ورقة أو فيزا تحول حياتي لشكل أسهل، فدرست وعملت وتعلمت بالنرويج، وعدت لإنتاج مسرحيات لأطفال فلسطين، وبعدما وجدت التعلق الشديد لدى الأطفال وشغفهم بالمسرحيات وانتظارهم لها، قررت أن وجودي هنا هو ما يعبر عن شخصيتي، وتذكرت أن هدفي الأساسي هو إقامة مسارح في فلسطين، ففي النرويج هناك الكثير من الممثلين أو المسارح، أما في فلسطين فلا يوجد.
أنا الآن أعمل فناناً حراً، حر في مسرحياتي، وطرقي، وأسئلتي، وأهدافي، أحس بمسؤولية كبيرة، وخياري النهائي كان البقاء في مخيم جنين، بفلسطين، بين الأطفال، بين شعبي، حيث أقوم ببناء المسرح وإيصال الأفكار، ورغم أني أمتلك الجنسية النرويجية، إلا أن العودة لفلسطين.. كان خياري واختياري.
ما الذي تعنيه مسرحية “وهنا أنا” لأحمد الطوباسي، وما الذي قد تعنيه لأي فلسطيني آخر؟
بالنسبة لي، هي مرآة لكل جيلي أو من هم أكبر قليلاً، لتذكيرهم كم جريح وأسير وشهيد، كم من متعب نفسياً، كم من سنوات مرت ومضت من الاحتلال، فأحياناً أشعر أن الاحتلال أصبح جزءاً من حياتي، ولم يعد شيئاً غريباً، بعد هذا العمر أصبحت ممارسات الاحتلال عادية، لكن لا هي ليست عادية، لذا أنا أعيد الواقع والإحساس بأن الاحتلال ليس طبيعياً ولا عادياً ولذا علينا القيام بشيء لإيقافه، هناك مئات الشبان بلا رؤية بحياتنا، علينا أن نصحو لهم ونعيد البوصلة إلى هدفها الصحيح.
الأسرى أبطال.. لا شك أبطال.. لكن هل توقفنا للحظة للتفكير كيف يعيشون، كيف يتألمون، كيف تضيع أعمارهم وسنونهم؟؟
و”هنا أنا”. ناقوس خطر.. منبه.. لكل الفلسطينيين لإعادة التفكير بما يجري، والوقوف في وجه الاحتلال، وتعزيز التعاطف الجمعي بيننا.
هل شعرت بوجود دعم لأفكار من جهات رسمية أو حزبية فلسطينية؟ أم أنك جوبهت بالرفض؟
حتى الآن، لحمد الله لا يوجد اعتراض ولا مسائلات عن العمل، ربما لأنني أحكي قصتي، دون تبني أفكار حزبية أو سياسية، أنا أحكي قصتي وأطرح وجهة نظري، أنا أقدم ما لدي ولكل إنسان الحق في أخذ ما يشاء منها، وترك ما يشاء.
هل هناك عمل فني قادم تحت الإعداد؟
أكيد، “هنا أنا” له 20 عرض، ما بين مخيمات ومعارض ومسارح، نحن الآن في العرض السابع، في الضفة الغربية، وسيمر بنابلس وبيت لحم، وفي مختلف المناطق، هناك عمل مستقبلي عن بلفور”وعد بلفور”، وسيكون من إنجاز ممثل واحد، لتذكير الناس بما جرى. لأن الكثير لا يعرفون من هو وما الذي فعل، هناك عمل آخر مشترك مع أربع أطفال، يمثلون الجوانب الفلسطينية المختلفة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.