ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

أرطغرل.. استدعاء البطولة المفقودة

كتب: عبد الرحمن نجم

توطئة
لا التاريخُ ولا وقائعه يُشكِّلان على الدوام ناموساً حَتْمياً لاستنباء المواقف والبناء عليها، ولا أدلَّ على هذا من قَوْلة صاحب “قصة الحضارة” الشهيرة المؤرخ الفيلسوف ويل ديورانت: “بعض التاريخ ظن، وأكثره من إملاء الهوى”.
وإذا كانت كتابة التاريخ وتدوينه مُوكَلةً بالقوي دون الضعيف، فإن ذلك يُفْضي بنا إلى التسليم بأن التاريخ بقديمه وحديثه صنيعة أهواء كَتَبَتِه وناقليه، يُحَرِّفون الحوادث عن مَوَاضعها الحقيقة؛ دَفْعاً عن أنفسهم ما لا يتفق ومُرَادهم.

المقدمة
الكتابة في ترجمة الشخصيات التاريخية، وإدارة الحديث على ما يتصل بها على وجه الحقيقة، يشبه التورط في دخول حقل من الألغام من جهة وضع الرِّجل في المكان الآمن في أرض تغص بالموت.
والتاريخ فيما يحكي لنا، ويقص علينا لا يختلف عن أرض الموت تلك؛ ذلك لأنه صناعة بشرية يحتكرها الغالب دون المغلوب، أي إنه سرد للوقائع والأحداث من وجهة نظر الأقوى، ووجهة النظر لا تعني بالضرورة القصة الحقيقية؛ ولذا فإن من أوكد الفرائض البحثية في هذا العصر أن نعمل على تصحيح الرواية التاريخية الإسلامية، لننفض عنها ما ليس منها.
ولنا أن نَسْتظهر ذلك إن عرفنا أن الغرب -مثلاً- ينقل أن مقتل “الرحالة” ماجيلان كان على أيدي البربريين والهمجيين وآكلي لحوم البشر!! وما إلى ذلك من قبيح الصفات، والحقيقة أن السلطان الأندونيسي المسلم “لابو لابو” هو مَنْ قتل المُستعمر ماجيلان؛ دفاعاً عن حمى جزيرته وأهلها التي أراد ماجيلان احتلالها وتَنْصيرها.
لكنَّ الأسفَ كُلَّ الأسف أنَّ بعض النَّقلة من العرب سَلَّموا بالرِّواية الغربية، تَسْليماً زَيَّن لهم تَضْمينها كُتُبَهم دون تَثَبُّت أو نظر.
وعلى ذلك؛ فإننا نَسْتيقن بما لا يُسوِّغ الاعتذار بالصدفة أن تاريخ البشرية لم يَكُ يقول الصدق في كل ما ذكره، فهو في جملة أمره رهين بنزاهة كاتبه وناقله، ولقد أدرك مَنْ كان قَبْلنا ذلك يوم وقفوا على التدوين، ولا سيما تدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أنْ توافقوا على ما سُمِّي بعلم الجَرْح والتعديل لتقييد صحيح الحديث من ضعيفه.

أرطغرل: الرواية الاستشراقية
شخصية كأرطغرل قَمِينة أن يَبْسط لها المؤرخون -فيما جُملة ما يَبْسطون- أقلامهم؛ لتنقيتها مما عَلِق بها من التشويه والتثليب، ولا سيما أنها شخصية إسلامية تجهلها الأجيال، والحق أن هذه الأخيرة معذورة في هذا الجهل؛ فقَلَّ أن تجد كتابًا أو بحثًا أو برامج أو محاضرات تتناول أرطغرل، وهو الأمر الذي سهَّل لبعض المستشرقين الطعن على مآثره.
وسواءٌ أَخَفِي أمر أرطغرل على الجيل المسلم أم بان أمره، فإن المستعمر في كلتا الحالين ظافر بما خطط وأراد وتمنى؛ فبالجهل به فَوَّت على الجيل قدوة إسلامية مجاهدةً يُفاخَر بها، وفي حال اطلع الجيل على خبره فليس أمامه سوى الرواية الاستشراقية المتحاملة.

اسمه ونسبه وميلاده
يقال إن اسمه الأميرُ الغازي “أرطغرل بك” بن سليمان شاه القايوي التُركماني، لكن مؤرخين عربًا وتركًا خَطَّؤوا تسميته بـ”طغرل بك”، واكتفوا بالإشارة إلى اسمه مجردًا “أرطغرل”، أما ابوه فاختُلف فيه أهو سليمان شاه أو كوندوز ألب.
وأغلب الظن أنه ولد في العقد الأخير من القرن الثاني عشر، أو في بداية القرن الثالث عشر الميلادي، وأناف على التسعين عامًا.
يُرد الاهتمام بسيرة أرطغرل إلى أنه قائد قبيلة قايي من أتراك الأوغوز المسلمين، ووالد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، وأول سلاطين الإمبراطورية العثمانية المولود عام 656هـ.

قيامة أرطغرل
يلفت الإقبال الواسع على متابعة حلقات المسلسل النظر، فهو الأول في تركيا والوطن العربي من حيث نسب المشاهدة، والحق أن الاهتمام المحموم بالمسلسل حد الإدمان ليس عائدًا إلى حبكته الدرامية التاريخية المميزة ابتداءً، وإنما هو عائدة إلى الانحطاط الحضاري للأمة الإسلامية في هذا العصر؛ فطبيعة الإنسان المقهور تقضي أن يحن إلى ماضيه حيث كان قويًا غالبًا، وهو أمر حمل الناس على استدعاء التاريخ؛ لِمَا فيه من البطولة والرفعة والغَلَبَة ما ليس موجودًا لها اليوم، وهو الأمر تجسد في شخصيات المسلسل.
على أنَّه قد اجتمع للمسلسل عوامل قادت إلى الاهتمام به عالميًا أيضًا، ذلك أن الإنسان بطبعه متدين شاء ذلك أم أبى “كل مولود يولد على الفطرة ..”، وجاء المسلسل ليعيد الهُوية الإسلامية إلى صدارتها، ويُحيي الذاكرة الإسلامية من غياهب النسيان من خلال قص حكاية بطل من أبطال المسلمين غير المعروفين، وهو أمر غذا النزعة الدينية في نفس العربي من جهة، وغذا نزعة حب الانتصار والقوة للغرب.
وعلى الجملة، فإن الكتابة موقف، والرواية موقف، والعمل الفني أيضًا موقف، ولا يُقاس نجاح العمل أو فشله بنسب المشاهدة وحسب، وإنما يقاس أيضًا بمدى رسالية العمل، وما يفرزه في سبيل صناعة الوعي، ولا ريب أن ذلك كله ينسحب على مسلسل أرطغرل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.