قصة قصيرة

ميلاد ثائر

كنت أعلم أن هذه اللحظة ستأتي،، وحين نظرت في عيون إخوتي رأيت أن إداركنا لذلك متشابه، كانت مسألة وقت لا أكثر، ومن حسن الحظ أن الوقت استطال فأضحى أياماً، عزمنا أن نودع والدتي بما يليق، فقد تُكتب لنا الشهادة فيما نحن مقبلون عليه، أمضينا الثلاثة أيام الأخيرة نمازحها، ونساعدها في أعمال المنزل، ونحضر لها المفاجآت ونملأ أوقاتها بالمقالب والضحكات، كنا نريدها أن تكون سعيدة، لأننا ندرك أن وداعنا _كيفما كان_ سيؤلم قلبها، وسيفتح الجرح الغائر الذي تركه غياب والدي واستشهاده، لكن والدتي لم تنطلي عليها حيلنا، التعجب المطل من عيونها، تضرب بكفيها أخماساً بأسداس، تحوقل وتقول: “الله يثبت علينا العقل والدين”، ثم تضحك وتقول: “مالكم انجنيتوا يا أولاد”، ونحن نواصل الضحك أيضاَ، كنا ندرك أننا رحالةٌ مودعون، وكان ذلك يخز قلوبنا أيضاً.
حين انفردت بحسام وأمين في الأيام الثلاثة الماضية، كنا نتساءل باستمرار، هل سنستشهد معاً؟، أم سنؤسر معاً؟، كان عاصم يقول لي ضاحكاً: “إنت حبيب إمك، خليك معها بتداوي قلبها، بتاخد عقلها بكلمتين وبتنسانا” فأجيبه: “لا الله يسامحك شو تنساكم، ينساكم الموت” أقولها وأنا أتمنى أن أكون الأول والأخير والوحيد، أليست خير الصدقات أقربها للروح وأعزها للنفس، فيا رب اقبل صدقة والدتي فيّ ولتكن الشهادة من نصيبي وحدي.
في إحدى المرات تجاوز حديثنا المزاح والسخرية إلى حدود الألم، أمين كعادته، يحول الحديث نحو الدرب الذي يشاء، كنا نواصل السخرية، فيمن سيعترف منا على الآخر، أقول لعاصم : سأخبر المحقق أنني بريء وأنك من جررتني معك، فأنت صاحب سوابق وخريج سجون، وسيصدقني”، يضحك عاصم ويجيبني: “وحدها أمي من ستصدق هذا القول.. القرد بعين إمه ملاك”، لكن أمين لم يستجب لمزاحنا وظل صامتاً، فوكزته قائلاً: ” أين أنت؟.. هل تسمعنا؟ ” نظر لنا بعيونٍ محمرة يقف الدمع على عتباتها وقال: “هل تسمعون توجعي وتوجع الدنيا معي”، هنا انهارت جميع حصوننا، وغرقنا في بكاء موحد، لم ينهه سوى قهقهة عاصم الدامعة، وقوله: “أمين..شو مالك..أنا تارك وراي رجال..لو إمك بكيت إنت حضنها،، مش العكس”،، مسح أمين دموعه خجلاً.. وخرج من الغرفة.

كنت أعلم أن هذه اللحظة ستأتي.. ومهما حاولت تخيلها إلا أنها لم تكن تشبه ما تخيلت، شعر عاصم بحركة مريبة حول المنزل، فأيقظنا، وأمر أمي وأختي بارتداء حجابهن، هل كانت أمي تشعر بما يجري؟ لا أدري، ربما، عيونها كانت تحطينا بالخوف والرعاية، لكننا معتادون على مداهمات الاحتلال لمنزلنا، بعد قليل قال لها عاصم: إذا نادوا الجيش علينا، اطلعي إنت وأختي، واحنا بنلحقك، صمتت والدتي ثم أومأت بنعم، وحدها صغيرتنا كانت ترتجف.
وحين نادت مكبرات الصوت علينا، آمرةً سكان المنزل جميعاً بالخروج، ترددت والدتي: واقتربت منا ثم جمعت أطرافنا في حضن واحد، حين ذلك بادرنا باحتضانها كلٌ منا يجمع شتات شوقه ويلقيه في حضنها مودعاً، لم يكن أياً منا راغباً في ترك عناقها للآخر أو للفراغ، لكن مكبرات الصوت عادت للعواء من جديد، سارت أمي نحو الباب ثم التفتت لنا وقالت: روحوا الله يرضى عليكم، قلبي وربي رضيان عليكم ليوم الدين، الله يحماكم ويكون معكم وينصركم، قلبي وربي رضيان عليكم..
إذا كانت أمي تدري..
لهنينة التقت أعيننا والتقَ الألم، ولهنيهة أخرى قررنا ألا تلتقِ، لا وقت لدينا للبكاء، الآن وقت المواجهة..
هل كنا نملك الخيار؟ نعم، كان بإمكاننا الاستسلام ببساطة..، لكننا لم نكن لنفعل، لم يكن أياً منا ليفعل، لأننا أبناء رجل أورثنا عناده، وإصراره، ولم يستسلم..حتى عندما أثخنت الجراح جسده لم يستسلم..
فلماذا سنستسلم؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق