اشراقات تاريخية

داعش: قوة الكلمة

كتب: عبد الرحمن نجم

 

.
.

 

 

 

توطئة

يحكى أن فارسين من فرسان القرون الوسطى التقيا عند نصب قديم، فاختلفا في لونه؛ أحدهما يراه أصفر، والآخر يراه أزرق، والواقع أن النصب كان أصفر وأزرق في آن واحد؛ إذ كان مصبوغاً في أحد وجهيه بلون يخالف لون الوجه الآخر.

لم يشأ هذان الفارسان أن يقفا لحظة ليتبينا لون النصب من كلا وجهيه، فلقد كان هَمُّ كل منهما منصباً على تفنيد الآخر وإثبات خطئه، وكلما اشتد الخصام والجدل بينهما ازداد إيمان كل منهما برأيه، وهذا النزاع بينهما أذهلهما عن تبين الحقيقة الوسطى، ودفع بهما نحو التعصب وشدة العَداء.

هذه الحكاية تجسد داء التنازع البشري؛ إذ لا تستطيع إحداها أن تكتشف شيئاً من الباطل في معتقداتها ما دام الجدل بينها قائماً، ومن هذا التنازع ينشأ التطرف الفكري ثم الجماعات ذات الفكر المنحرف.

المقدمة

ينبغي للفرد المسلم أن يدرك أن الجماعات الإسلامية في أصل نشأتها ليست واحدًا، ونحن بهذا لا نطالبه بالتمييز بين الجماعات الإسلامية على كثرتها وسعة انتشارها وتباين مذاهبها كافة، فليس هذا النظر العويص داخلًا في طاقة الكل، غير أنه جدير بالمسلم أن يجيب عن أسئلة زمانه الكبيرة في شأنٍ هو من شأنه كمسلم لا كفرد، ولا سيما فيما يتصل بجماعات تحمل اسم الإسلام، وتُحمل الإسلام ضريبة جهلها، فتسيء للديانة من جهة أفعالها.

ولعل الجيل الأخير من الألفية الثانية قد عاش بالسمع والنظر فِعال ما عُرف بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وعلى حَداثة سن هذا الجيل وقع عبء التوضيح على الكبار؛ حراسة لهذا الصغير من اقتحام هذا الدغل الموحش؛ تأثرًا فيه، والتباسًا عليه، وخاصة أن عاطفة الفرد المسلم الغر تتوهج مع مشهد الدم، فإنك إما أن تتركه في صراعاته النفسية يتخبطه الشيطان من المس، أو تجيبه جوابًا يدفع عنه الشُّبُه الفكرية.

وأنت في هذا العصر لا تستطيع أن تحجب عن “العقل الحديث” الجواب الشافي إلى نفسه؛ ذلك أن “العقل صنيعة من صنائع المجتمع”، وترك السؤال مبهمًا أمر لن تقبله الأجيال الناشئة في عصر العلم هذا، ومن أجل ذلك كان أكثر من اتبع الفكر الداعشي لحوقاً بهم، أو حملًا لأفكارهم شباب العشرينيات من ذوي التحصيل العلمي المرتفع! الأمر ليس لهوًا إذن.

ويخطئ من يظن أن هذا العقل الحديث لهذا النشء يمكن أن يُكره على رأيه، أو يُقهَر على ترك تساؤلات الزمان والساعة، فالإكراه على ترك الشيء مدعاة للاستمرار في طلب هذا الشيء، والتشبث به، والإصرار عليه.

زمن الجبر انتهى؛ ذلك أن هذا العقل لا يفهم إلا لغة الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة، وقد قيل: “الفكرة لا تموت بالرصاص، الفكرة تُحجب بضوء فكرة أقوى”.

ولعل هذا التوضيح يدرأ عنا العَجَبَ من شدة تأثر الشباب بالفكر الداعشي، فغالب المعتنقين لهذا الفكر هم ضحية خطأ الجواب، أو تجنب الجواب.

السؤال الكبير

قد يلوح للفرد المسلم أن يسأل: هل في وجود “داعش” شر مطلق؟ بمعنى أعم: لماذا يحدث هذا للأمة الإسلامية؟ أو لماذا يختلف الناس في أمر الدين والله قادر على أن يكفيهم ذلك؟

بالنظر إلى السؤال بوجه عام، تبدو ظاهرة “داعش” ومَن على شاكلتها شرًا مستطيرًا، ولكن هذا جواب ناقص، ولا يمكن أن يطمئن الفرد المسلم إلا إذا نظر في سنن الله الكونية في الناس، ثم بدارسة النفس البشرية ذاتها (ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها).

وفي الإنسان، يقرر علماء الاجتماع أن التنازع صفة أساسية في الطبيعة البشرية، بل إن «التعاون ما هو إلا صورة من صور التنازع؛ فالإنسان –وفق البروفيسور كارفر- يتعاون مع بعض الناس لكي يكون أقدر على التنازع ضد البعض الآخر».

ولذلك كان التحذير في القرآن الكريم من إمضاء هذه الطبيعة، وصيرورتها سُنة للجماعة المسلمة فيما بينها ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ..).

ورغم أن الاختلاف حتمية اجتماعية للجماعة المسلمة، ومظنة الانقسامات، ونشوء العداوات، وافتراق الكلمة، فليس علينا أن نقلق بشأنه بإفراط؛ لأنَّ ما من شر إلا فيه خير –كما قال ابن خلدون في مقدمته-.

فالجماعة التي تسود أفرادها طوباوية أخوية، وعلاقات أسرية، وتماسك داخلي دون شوائب، لن تَسْقط على أخطائها، ولن ترقى فكرتها السامية بغير الاختلافات التي تُشتت وحدة تماسكها، ولعل هذا يفسر الدلالة الاجتماعية لقوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ..).

فإما أن تكون الجماعة المسلمة على مثاليتها –ولن يكون بحال- فتبوء بالركود، أو تكون واقعية تتنازع أمورها فترتقي وتزكو؛ ذلك أن كثرة المشكلات تعطيها على المدى البعيد حصانة مما قد تقع فيه بكثرة ما عالجت وتعالج من المُلِمات؛ فتوالي المشكلات عليها يَحْملها حَمْلًا على الفحص عن حلول، حتى يصير استخراج الحلول، والنظر فيها دَأْبها الدائب؛ ما ينقيها مما علق بها من أمراض وعادات واعتقادات، حتى يمر عليها حين من الدهر تركن وتطمئن، ثم تعاودها المشكلات، فتقوم من رقدتها لتعالجها، وهكذا.

يقول عالم الاجتماع العراقي د.علي الوردي في كتابه الشهير «مهزلة العقل البشري»: «إن المجتمع البشري لا يستطيع أن يعيش بالاتفاق وحده؛ فلا بد أن يكون فيه شيء من التنازع المبدئي لا الشخصي أيضًا؛ لكي يتحرك إلى الأمام، حيث التماسك الاجتماعي والجمود توأمان يولدان معًا، ومن النادر أن نجد مجتمعًا متماسكًا ومتطورًا في آن واحد».

وعلى الجملة، فإن الأمة الإسلامية عاشت مدة من الكمون الذي أورثها الوهن والضعف، وكان لا بد لها من محفزات لتلفظ خبثها، وداعش وغيرها صدمات هزت الأمة من رقدتها، وعسى أن يكون ذلك خيرًا.

تكاثر الأتباع

هل الأكثرية تعني الحق؟ فلو تكاثر الأتباع، أَيدل هذا على صحة الطريق؟

يُذهل الفرد المسلم حينما يرى كثيراً من الشباب يؤمنون بالفكر الداعشي، والأسوأ أن كثيرًا من الشباب يكون داعشيًا وهو لا يدري؛ إذ يكون حاملًا لأفكار توافق الفكر الداعشي كالتكفير السريع مثلًا، وهنا يكمن الخطر الذي يستوجب على علماء الأمة كشف هذا الزيف الفكري عن العقول بالحجة والبرهان والرفق واليسر وتجنب التنفير.

ورغم كل ذلك، فإن الكثرة الكاثرة لا تعني دائمًا الصواب، فالأرقام ليست كل شيء، ألا ترى الراعي يسوق قطيع الغنم بعصاته دون جهد يذكر، بيد أنه يجد مشقة في سوق شاة أو اثنتين! وهذا معنى نظرية عالم الاجتماع المؤرخ والفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون: “الجماعات أسلس قياداً من الأفراد”.

إذن الكثرة لا تعني الحق دائمًا، وهذا لا يتعارض مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تجتمع أمتي على ضلالة”، والناظر لأتباع جماعات ضالة كداعش يفهم على شرط النظرية الاجتماعية السابقة كيف يمكن السيطرة الجمهور؛ أي الأتباع الكثر، والله عز وجل قد قال في غير موضع في القرآن الكريم في وصف الكثرة: (وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ في الأرض يُضلُّوك عن سبيل الله) (وكَمْ من فئةٍ قليلة غَلَبَتْ فئةً كثيرةً بإذن الله) (وما أَكْثَرُ النَّاسِ ولو حَرَصْتَ بمؤمنين).

وفي الحديث الشريف: “الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة”.

والقرآن الكريم حينما قَطَعَ بهذا الناموس الأنثروبولوجي (علم السلالات والأجناس البشرية)، لَكأنه يُلْقي في رُوع الإنسان حقيقةً تَكْفيه مؤونة التجريب، لا يُمكنه أن يَفْطن إليها بعقله بَدَاهة، فالفطر البشرية تَجْنح سليقةً لالتزام المَجْموع واقتدائهم؛ اتقاءً للمَلامة؛ وابتغاءً للسلامة.

وإذا الطريقُ كانت ملأى بأناس تَضَاهأت طريقتهم، فإن استجابتهم للأوامر لا ريب تكون فورية، ما دامت تُسْلِمهم في خاتمة الطريق إلى مَقْصودهم.

على أنَّ أفرادًا يكونون جماعات بأسرها؛ إذ إنَّ نُبْل الغاية وصدق المَسْعى كثيراً ما يَسُدُّ مَسَدَّ الكثرة، وهذا كُنْه مُراد الله إذ قال: (إنَّ إبراهيم كان أمة) مع أنه كان فرداً ليس معه أتباع.

والفاروق لَمَّا اسْتَنقذ جيش القادسية بثلاثة رجالات (القعقاع بن عمرو، وعمرو بن معد يكرب، وطليحة بن خويلد) بَرَّر الاستئثار بهم، والاقتصار عليهم في رسالته إلى سعد بن أبي وقاص بأنه أمدَّه بـ3 آلاف رجل.

ومن هذا الوجه نقول إن الكثرة والقلة العددية من منظور الحق والباطل نسبية غير مطلقة.

 

قوة الكلمة

تكمن المشكلة في الفكر الداعشي في تأويل النص الديني تأويلًا يفضي إلى تفسير به لم يقصده الشارع عز وجل، ويغلب على الفرد الداعشي الجهل بأساليب اللغة العربية واستسهال القتل، غير أنهم يتقنون الخطاب المنبري باستعمال الكلمات ذات الأثر الكبير في نفس المتلقي.

استنطاق النص الشرعي عمل لا يَبلغه الجميع؛ ذلك أن بلوغ درجة الاجتهاد، وامتلاك ناصية اللغة، أمران عسيران لا يبلغهما أي أحد، ومن هنا تبدأ مشكلة المسجد؛ إذ يُخلى بين مُعْوزي الأهلية العلمية والخُلُقية وبين أكتاف المنابر؛ ليُخَاطبوا منها “الأرواح” و”الأنفس” و”القلوب”! ليزيدوا الطين بلة!

فإذا صَحَّ أنَّ دواء الطبيب نَافذٌ إلى مُخِّ العروق في الجسد، فإن إلقاء القول من المنابر ليس أقل في النفاذ إلى أجساد الناس من الدواء؛ ذلك أنَّ الدواءَ من الطبيب بمنزلة الكلام من الخطيب.

ذلك أن أثر “الكلمة” في الأجساد، أشد عليها من أثر الدواء فيها، ولو جئنا نَطْلب البَيِّنة على هذا، فلا نرى أدنى إليها من كلام الله والأحاديث النبوية المحذرة من الكلمة، كقوله صلى الله عليه وسلم: “رُبَّ كلمة لا يُلْقي لها صاحبها بالاً..”، وقوله: “أمسك عليك لسانك..”، وقوله: “إنَّ من البيان لسحراً”.

وإذا كان ثَمَّ آلاتٌ اليومَ تَمْلك أنْ تُغيِّر قناعات الإنسان غَصْباً بكهربائها، فإن غسيل الأدمغة بـ”الكلمة” يظل الطريقة الأكثر فاعلية وأماناً.

ولذا فإن الحصانة الفكرية من الأفكار المنحرفة تبدأ بالكلمة، والكلمة محتاجة إلى رجل مناسب ليقولها، وليس مكانٌ أصلح لهذا من المسجد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق