ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

هل كانت قصة هجرة عمر بن الخطاب وحده.. صحيحة؟؟

بقلم: بلال زرينة

عندما أعطى البوطي الفرصة للألباني لينقض عليه!

قصة هجرة الصحابي عمر بن الخطاب علانية ضعيفة السند!

أتذكّر أننا عندما كنّا طلابا ندرس مساق (السيرة النبوية) في كلية الشريعة في السنة الثانية الجامعية، كان مقرراً علينا كتاب :(فقه السيرة النبوية) للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. وما زلت أذكر أن أستاذ المساق….. مكث طيلة المحاضرة يشرح لنا: لماذا هاجر عمر بن الخطاب إلى المدينة علانية وهاجر النبي سرا؟ ولم يخطر ببال أستاذنا المتخصص في السيرة أن تكون القصة لا أصل لها!

يقول البوطي في ص 189من الكتاب آنف الذكر :(( ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول الله إلاّ متخفيا غير عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لمذا هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهما… ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها فطاف بالبيت سبعا متمكنا مطمئنا ثم أتى المقام فصلى، ثم وقف وقال: شاهت الوجوه لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن يثكل أمه أو يوتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي” قال علي : فما اتبعه إلا قوم من المستضعفين علمهم ما أرشدهم ثم مضى)) ويكتب البوطي في هامش الكتاب: المصدر الذي اقتبس منه هذه القصة ؛ وهو : أسد الغابة 4/58

وبعد عدة صفحات (ص202) وتحت عنوان :عبر وعظات ، يجيب البوطي عن سؤال سأله: لماذا هاجر عمر علانية متحديا المشركين دون أي خوف أو وجل، على حين هاجر النبي مستخفيا محتاطا لنفسه، أيكون عمر بن الخطاب أشد جرأة من النبي عليه الصلاة والسلام؟!
ويجيب البوطي إجابة مطولة ملخصها أن النبي مُشرّع لأمته ويجب أن يُعلّمهم الاحتياط ، وأما عمر فتصرفه شخصي – ولم يشر البوطي من قريب ولا بعيد إلى احتمال أن تكون القصةضعيفة أو مكذوبة.

في ظني أنّ الدكتور البوطي وقع في خطئيْن لا يرتكبهما باحث محقق:

الأول : إسناده هذه القصة إلى أسد الغابة لابن الأثير المتوفى سنة 630ه ، وهذا يدل على أنه ليس من أهل فن الحديث ولا التاريخ ، لأنّ منهج البحث التاريخي يقتضي الرجوع إلى أقرب مصدر زماني أورد القصة، وإذا لم يوجد ذكر لهذه القصة في المصادر المتقدمة فهذا إشارة على ضعفها أو اختلاقها؛ فكتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) لابن الأثير متأخر عدة قرون عن كتب السيرة النبوية والتاريخ كسيرة ابن هشام ومغازي الواقدي وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري والاستيعاب….. والمصدر القريب للقصة يورد قصة معاكسة؛ ففي سيرة ابن هشام 2/85 عن ابن اسحاق قال:

(( ثُمَّ خَرَجَ عُمر بْنُ الْخَطَّابِ ، وعَيَّاش بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ ، حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ ، فَحَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ: اتعَدْتُّ، لَمَّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ ، أَنَا وعَيَّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ التَّناضِبَ مِنْ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، فَوْقَ سَرِف وَقُلْنَا: أَيُّنَا لَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبس فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ ، قَالَ: فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَ التَّناضِب ، وحُبس عنا هشام ، وفُتن ، فافتتن))-صححه الحافظ ابن حجر في (الإصابة في معرفة الصحابة)- 6/ 423

فهذه الرواية من سيرة ابن هشام تؤشّر على أن عمر بن الخطاب هاجر متخفيا مثله مثل غيره من الصحابة.

الثاني : أنه لم يرجع إلى تمحيص سند القصة ودراسة رجالها الذين ذكرهم صاحب أسد الغابة الذي يُحيل إليه ؛ وهذا قصور وتقصير منه -رحمه الله- وهذا ما جعل خصمه اللدود الشيخ الألباني ينقض عليه في كتاب :(دفاع عن السيرة النبوية) وكذلك ضعّف القصة الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه (لسيرة النبوية الصحيحة)؛

أقول :إن قصة بهذه الأهمية والتي فيها إشكالية كبيرة تتعلق بإفشاء سر الهجرة، وظهور صحابي بمظهر أكثر جرأة من النبي لا ينبغي أن تُقبل بدون تمحيص ، ولماذا نتأول ونبرر إذا كانت القصة لا أصل لها أو ضعيفة! فالتأويل فرع التصحيح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.