ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

قراءة في تجربة أبي بكر الصديق في الحكم

يرى بعض الباحثين أن تجربة أبي بكر رضي الله عنه تنطوي على إعجاز تاريخي نظرا لأن عاصمة دولته (المدينة المنورة) كانت مهددة بقوة في بداية حكمه التي دامت سنتين فقط، ثم ما لبث أن أرسى دعائم دولة إقليمية كبيرة في نهاية تلك المدة.
ستلقي هذه المقالة الضوء على مسألتين، تناقش في الأولى تجربة أبي بكر بوصفها تمثل “معجزة تاريخية خالدة” وفقا لبعض الباحثين. وتقدم في الثانية تحليلا واقعيا لهذه التجربة.
أولا: ما يخص التوصيف المستخدم، ما المقصود بالمعجزة التاريخية، وهل النجاح الباهر لتجربة حكم أبي بكر التي دامت سنتين يعد معجزة تاريخية أم لا؟ أفهم أن مصطلح المعجزة التاريخية يعني أن ثمة حدث ما قد اخترق القاعدة التاريخية لصيرورة الأحداث، وأن استثناء ما قد تجاوز شروط ومقومات التمكين والانتصار. فهل هذا ما حدث بالضبط مع أبي بكر؟ لا أرى ذلك للأسباب التالية: إن انتصار الاسلام وتمكنه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده لم يتم في سياق اعجازي بل في سياق تم فيه انسجام الرؤية والتخطيط والتنفيذ مع متطلبات التمكين والانتصار التي تقررها حركة التاريخ، ولو كان أحد مستحقا للتمكين بوسائل اعجازية لكان أولى الناس بذلك رسول الله لا سواه، ومع ذلك فقد مر عليه السلام بكل مراحل الاستضعاف والمكابدة والمجاهدة آخذا بأسباب التمكين من مظانها المادية الصحيحة أولا، ثم بتفويض الأمر كله إلى الله توكلا واعتمادا واستنصارا ثانيا، وهكذا فقد جاء انتصار الرسول عليه السلام تتويجا لتلاقي استراتيجيته الهادفة ليكون الأمر كله لله من جهة مع المتطلبات التاريخية للانتصار من جهة أخرى. وإذا كان الصحابة هم الأقرب زمانا وجوهرا واتباعا لرسول الله فإنهم الأولى أن يجري عليهم ما جرى عليه فيما يتعلق بمسألة الانتصار والتمكين. أرى أن فكرة اعجازية الانجاز تتناقض مع طبيعة الإسلام وفلسفته إزاء مسائل من قبيل التدافع والتمكين والتغيير والابتلاء. على أية حال، فإن تجربة أبي بكر رضي الله عنه كانت متميزة وفريدة واستثنائية بكل المقاييس، ولكنها مع ذلك ليست بمعجزة، اللهم إلا إذا تم استخدام مصطلح الاعجاز هنا بدلالته المجازية. وإذا كان الأمر كذلك فإنه ينبغي التحفظ عن استخدام مصطلحات تؤدي إلى لبس في الدلالات والمعنى.
ثانيا: تحليل تجربة أبي بكر
معطيات التجربة:
أولا: مدة الحكم دامت سنتين.
ثانيا: تم تهديد عاصمة الكيان الناشيء الذي يقف على رأسه أبو بكر في بداية المدة، ثم نجح في توطيد أركان دولة إقليمية كبيرة في نهايتها.
ثالثا: تجربة أبو بكر كانت امتدادا طبيعيا لتجربة وإرث النبوة، ولذلك فإنه لا يمكن اغفال دلالات ذلك في الوقت الذي يتم فيه تقييم هذه التجربة.
عند تحليل التجربة في ضوء المعطيين الأول والثاني فإنه من الطبيعي الخروج بنتائج تقول بإعجازيتها، غير أن إدخال المعطى الثالث للإطار التحليلي سيأخذ النتائج إلى منحى آخر.

إن انتصار الدعوة الإسلامية إثر فتح مكة لا يعني انتهاء قوة المناوئين لها بشكل نهائي، بل يعني أن قوة المشركين قد حلت ثانيا بعد أن أصبح المسلمون يشكلون القوة الأولى. من جهة أخرى فإن الفترة الزمنية الفاصلة بين انتصار الإسلام وموت النبي عليه السلام كانت قصيرة ما يعني أن ميزان القوى بين المسلمين وأعدائهم لم يكن ينطوي على تفاوت كبير يوم أن تولى أبو بكر الخلافة. على ضوء ذلك، يمكن القول أن من يملك قوة تقل درجات عن قوة الخصم يكون قادرا على تهديده في لحظة زمنية مواتية، حتى لو كانت قوة الأول تساوي فقط نصف قوة الثاني. مثل موت النبي عليه السلام الفرصة المثالية للقوة المعادية كي تستعيد زمام المبادرة مرة أخرى، يتضح ذلك في ضوء حركة الارتداد الواسعة عن الاسلام التي شكلت تهديدا وجوديا خطيرا للدولة الإسلامية الوليدة بقيادة أبي بكر، وهكذا يتضح الجانب الأول من المسألة. أما دلالات الجانب الآخر منها والمتعلق بنجاح أبي بكر في القضاء على حركة الردة، وإرساء دعام دولة قوية في ظرف سنتين فلا يمكن فصله عن ذات السياق أيضا. من الواضح أن التقارب النسبي بين قوة الطرفين كان يستدعي إدخال عنصر حاسم لمعادلة الصراع حتى يتم كسبه، حيث أن القوة وحدها لا تكفي لمواجهة خصم لم يزل قويا من جهة، وقد بدأ التحرك في ظرف مواتي جدا من جهة أخرى، وهو الاختبار الذي نجح فيه أبو بكر ببراعة عندما استخدم استراتيجية عمادها الحزم والمبادرة والضرب بقوة على أيدي المرتدين، تلك التي شكلت معادلا يكافيء الدافع الاستثنائي والمثالي لنشوء حركة التمرد والارتداد عن الاسلام وتفوقت عليه. وهكذا فقد انتصر أبو بكر على حركة الردة لا بقوته فقط بل بسرعة تحركه وحزمه وعدم تردده في المواجهة، وبانتصاره الحاسم على هذا التحدي الخطير لم يبق هناك عائق يحول دون فرض الدولة المسلمة ذاتها على المشهد برمته، بيد أن مقدمات وشروط هذه الهيمنة كانت قد نضجت تماما قبل تولي أبي بكر الخلافة، بينما سرعت حنكته في مواجهة حركة الارتداد في ظهورها فحسب. وهكذا يتضح أن انتصار أبي بكر قد تم في سياق طبيعي جدا تم فيه توظيف المعطيات وعوامل القوة المتاحة بطريقة صحيحة وعقلانية، ولم يمثل بحال خرقا لناموس التدافع بين الناس حتى يتم تصويره وكأنه معجزة. لكن ثمة ما هو أبلغ من ذلك، وهو ما يتعلق بحرماننا من الاستفادة من تجربة أبي بكر فيما لو كانت معجزة، خصوصا أننا غير مؤهلين لإجراء المعجزات على أيدينا. لكننا سنستفيد منها حتما ونحن نقرأها في سياقها الطبيعي لا الإعجازي، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين القراءتين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.