ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

رداً على مقال ” السرقة الحلال “

رد الكاتب ياسين عز الدين على المقال الذي هاجم النشيد الاسلامي بعنوان " السرقة الحلال ، هل تربى الإسلاميون على لحن مزور؟"

انتشر مقال معنون بـ “السرقة الحلال .. هل تربى الإسلاميون على لحن مزور؟”، ونشر على موقع ميدان الجزيرة، لكاتب مصري اسمه محمود السراج، والذي عرف نفسه بالشاعر والصحفي المهتم بالموسيقى والأدب، وملحن لعدد من الأغاني.

لست خبيرًا في الموسيقى ولا الألحان ولا الأناشيد، ولا مهتم بها، لكن ما استوقفني في مقاله هو اتهامه الإسلاميين بإباحة السرقة لأنفسهم، وخلطه عدة مواضيع في مقال يفترض أنه يتطرق للأناشيد الإسلامية المسروقة عن أغاني غير دينية.

لهذا أريد الرد على ما ورد في مقاله من مغالطات.

لكن في البداية أريد التأكيد على أنه لا مشكلة في انتقاد الأعمال الفنية الإسلامية، وقد اتفق مع الكثير من الانتقادات، واتفق أيضًا مع أن هنالك ضعف عام في اهتمام الإسلاميين بالفن، فهذه أمور نتفق عليه بالمجمل حتى لو اختلفنا بالتفاصيل.

أولًا: الكاتب خلط بين ما أسماه سرقة الأغاني، وبين فتاوى تحريم الموسيقى أو الإيقاع، ولا أدري لماذا التطرق لهذه الفتاوى في مقال مخصص للألحان المسروقة، لو كان المنشدون هم أصحاب الفتاوى لكان في الأمر بعض المنطق.

لكن من يفتي بحكم الموسيقى والأغاني هم أشخاص مختلفون تمامًا عن المنشدين الإسلاميين الذين هم موضع الانتقاد.

والسؤال الجوهري هل أفتى أحد من أهل العلم لهؤلاء المنشدين أو غيرهم بجواز سرقة الألحان أو الكلمات؟ كنت اتمنى لو تطرق للفتاوى المتعلقة بالملكية الفكرية لأنها أكثر صلة بموضوع المقال.

وليخبرنا من الذي أفتى بأن سرقة الألحان أو الكلمات حلال وجائز للإسلاميين؟

أم أن المطلوب السخرية من الإسلاميين بكل مكوناتهم وتوجهاتهم وأشكالهم وألوانهم؟

ثانيًا: كرر الكاتب الإشارة إلى سذاجة مزعومة لدى اتباع الإسلاميين، في تكرار لصورة نمطية أنهم يثقون ثقة عمياء بقادتهم، ويصدقونهم ولا يناقشون ولا يعرفون شيئًا مما يجري في العالم الحقيقي؛ أي صورة الخاروف الذي ردده إعلام الانقلاب في مصر.

ونجد هذا الغمز واللمز في كلامه عن الحفل الموسيقي العسكري أمام السيسي، بعد انقلابه بعامين، والذي عزف أغنية “لبيك علم البطولة” (والتي حورت لتكون “لبيك إسلام البطولة”)، وكيف أن الإسلاميين السذج (بزعمه) تفاءلوا بأنه تمرد للجيش على السيسي، لأنهم لم يدركوا الفرق بين الأغنيتين.

لم أسمع بهذه الحادثة إلا منه، ورغم انتشار شائعات بعيد الانقلاب بأن الجيش سوف يتمرد على السيسي، لكنها انتهت ولم يعد لها أي وجود بعد عامين، وهل تشابه الألحان بين الأغنيتين يعميهم عن حقيقة الاختلاف بالكلمات بينهما؟

ولو مر عليه بعض الأشخاص السذج الذي توهموا وجود تمرد بسبب تشابه الألحان هذا، فهل أصبحوا يمثلون الإخوان المسلمين؟

وفي موضع آخر يتحدث عن كيف عاش اتباع التيار الإسلامي في خداع لسنوات طويلة، عندما لم يخبرهم أحد أن أهم أناشيدهم “مسروقة الألحان”، وأنهم صدموا عندما علموا بذلك.

وكأن الإسلاميين أهل الكهف لا يعلمون ما يدور حولهم، وأتكلم عن نفسي ورغم ضحالة ثقافتي الفنية، فكنت أعرف منذ فترة دراستي الجامعية أن الكثير من الأناشيد التي أسمع لها مقتبسة الألحان من أغانٍ وطنية أخرى، منها ما قد انتبهت له بنفسي، ومنه ما كنت أسمعه من زملائي الإسلاميين (وليس غيرهم).

ثالثًا: الاتهام بالسرقة كبير، وفي عالم الألحان والملكية الفكرية، فمعناه أن تنسب اللحن لغير صاحبه، وهنالك أيضًا حقوق الملكية لصاحب اللحن، يعني يجب استئذانه قبل إعادة استخدامه، وبعد فترة زمنية تصبح مشاعًا يستطيع أي استخدامها دون إذن، مثل الألحان التراثية.

فهل أتى لنا بمثال على ملحن أناشيد نسب ألحانًا ليست له وقال أنها له؟

طبعًا هنالك منطقة رمادية حيث قد تتشابه الألحان أو الأسلوب وربما يستعين بتجارب سابقة، وغير ذلك، وهذه لها أهلها لكي يحددوا ما هو مسموح وما هو سرقة، ولست من أهل الاختصاص لذا لن أتكلم بهذا الجانب.

رابعًا: كنت سأقبل شهادة كاتب المقال كصاحب اختصاص لولا خطأين واضحين وقع فيهما.

الأول: زعمه بأن أنشودة أبو الراتب “يا دعوتي سيري” (فيها تشابه في لحنها يصل إلى حد التطابق) مع أغنية “خلي السلاح صاحي” لعبد الحليم حافظ.

قمت بفتح كل من الأنشودة والأغنية من اليوتيوب واستمعت لهما جيدًا، ولم أجد التطابق المزعوم، ربما هنالك بعض التشابه، مع ذلك اتهمت نفسي وقلت ربما هنالك أمور في علم التلحين لا أفقهها.

لكن عند الرجوع إلى أحد المختصين المنشد Asem Qawasme فيوضح أنه بناءً على علم المقامات (هناك اختلاف جوهري في مقام يا دعوتي سيري ومقام أغنية خلي السلاح صاحي).

وبإمكانكم الاستماع لكليهما والحكم بأنفسكم، لا تصدقوني ولا تصدقوا السراج، احكموا بأنفسكم.

الثاني: زعمه بأن “الإسلاميين” أخذوا أغنية “لبيك علم البطولة” وغيروا بضع كلمات فيها أو كما قال (لم يقُم منشدو التيار الإسلامي بعدها سوى بتحريف بدايتها فقط)، لتصبح “لبيك إسلام البطولة”.

قمت بالاستعانة بجوجل لمقارنة كلمات الأنشودة مع الأغنية، وجدت أن هنالك تطابق (مع بعض التحريف) في ثلاثة أبيات:
لبيك اسلام البطولة كلنا نفدي الحما
لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما
لبيك ان عطش اللوا سكب الشباب له الدماء

وما تبقى من أبيات والتي تزيد عن عشرة، لا يوجد أي علاقة بينهما من ناحية كلمات ومعاني.

لا أعرف من كاتب كلمات النسخة الإسلامية، وهل نسبها لنفسه أم أشار لكاتبها الأصلي، ولا لماذا استعان بالأبيات الثلاثة وهو قادر على كتابة قصيدة بأكملها.

وبالإمكان انتقاد هذا التصرف بلا شك، لكن كان الأصل بكاتب المقال أن يعرض الحقائق كما هي ليترك الحكم للقارئ، لا أن يلجأ لذكر معلومات غير صحيحة، ويقول أنه تم تحريف بداية الأنشودة وبقيتها مسروقة حرفيًا من الأغنية، كيف سأثق بباقي المعلومات التي أوردها في مقاله؟

في الختام:

لا أنفي وجود سرقات في الألحان، والإسلاميون ليسوا معصومين، وتردي الذائقة الفنية مشكلة يعاني منها الإسلاميون وغيرهم، والسرقة موجودة في جميع الأوساط، وهي مدانة بغض النظر عن مرتكبها.

كما أن هنالك ضعف وعي بحقوق الملكية في مجتمعاتنا العربية، وليس فقط الإسلاميين، وخصوصًا في عدم ذكر مصدر العمل الإبداعي (سواء لحن أو قصيدة أو قصة أو كتاب أو مقال الخ)، وأحيانًا تكون هذه التصرفات بحسن نية وليس عن سبق إصرار، والمطلوب التوعية والمزيد من التوعية.

مشكلتي في حصر هذه الممارسات الخاطئة بالتيار الإسلامي، وتعميمها على الجميع واتهام المحسن بجريرة المسيء، ثم إقحام فتاوى تحريم الموسيقي في المقال، والإشارات المتكررة إلى “سذاجة وإنغلاق” أبناء التيار الإسلامي، وكأننا أمام عصابة تبيح لنفسها السرقة كما يقول العنوان.

فهنا انتقلنا من المقالة التي تنقد حالة فنية إلى “شيطنة ذكية” للتيار الإسلامي، وأقول ذكية لأنها أكثر ذكاء (وخطورة) ممن روجوا لوجود أسلحة دمار شامل تحت منصة ميدان رابعة.

إذا أردت أن تنتقد أو تتصيد للإسلاميين فلا مشكلة في ذلك، لكن كن موضوعيًا ولا تضلل الناس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.