ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

حكايتي مع صراع الحياة اليومية والأحلام

حكايتي مع صراع الحياة اليومية والأحلام

لم تنحصر أحلامي وطموحاتي في أي يوم مضى بأن أصبح فتاة تؤهل نفسها لتغدو مجرد ربة بيت تطهو الطعام وترعى الزوج والأبناء وتنظف وتلمع البيت لتكون مضرب أمثال في النظافة، وتستقبل الضيوف والزوار وتتبادل الزيارات والاجتماعيات والمجاملات التي لا تنتهي و… و… أحلامي جاوزت الثريا منذ صغري، ولم يكن للزواج أدنى نصيب بينها،،،

بل وصل بي الحال أني رفضت تَعَلُم فنون الطهي في مراهقتي (حيث تتعلم جميع الفتيات الطهي في تلك المرحلة العمرية استعداداً للزواج وتكوين أسرة) تأكيداً مني لأسرتي ولمن حولي بأنني لا أصلح للزواج ولا أريده. أكملت دراستي وانخرطت في العمل حتى غدوت على أبواب الماجستير،،

لأجد نفسي فجأة وبعيداً عن أية مقدمات أعلق في شباك الزواج والزوجية، وبسرعة ودون أن أنتبه لنفسي وجدت نفسي وقد صرت أماً لثلاثة من الأطفال الصغار. أحببتهم، بل عشقتهم. ووجدت نفسي أغرق في عقبات وصعوبات ومشكلات يومية نتيجة افتقاري لمهارات ربة البيت الضرورية والتي أجهلها.

وكم وجدت أني كنت مخطئة في نظرتي للزواج والإنجاب، فما أروع الأمومة! وما أجمل أن يكون لي طفل أربيه على ما أؤمن به من مبادئ وأخلاق وقيم ودين، ابن يكون امتداداً لي في الحياة، وعوناً لي إن أرتني الدنيا وجهها الكالح يوماً أو عمراً.. ورغم مشاعر أمومتي المستجدة التي جعلت قلبي يخفق ويفيض بمشاعر غاية في الروعة،،

بيد أني لم أرغب أن أكون نمطية، فأغدو صورة مكررة عمن حولي من النساء!

فأجلس في البيت كربّة بيت وأم مثالية، فلم أكن لأكتفي بأن أكون أماً، بل يجب أن أكون عاملة أيضاً وأثبت ذاتي وأدون اسمي في دفتر الأيام بمياه من ذهب، فوجدتني أنساق في الطريق الأصعب والأعقد. في بدايات حياتي الزوجية أضفت إلى أدوار الزوجة والأم وربة البيت والمرأة العاملة، دور طالبة العلم أيضاً، فحصلت على درجة الماجستير، أتبعتها بالدكتوراه، كما أضفت لتلك الأدوار دور الطاهية المميزة التي لا تُطعم أسرتها إلا الطعام الصحي الذي تعده بيديها وفي مطبخها الخاص، وتحرص دائماً أن يكون ذو قيمة غذائية عالية، وطعم لذيذ، ولا يحمل في ثناياه ويخفي خلف طعمه اللذيذ أخطاراً صحية وأضراراً تنتج عن استعمال مضافات الأغذية، وأصباغ، ونكهات، ومحسنات قوام، ومواد حافظة، ونسب عالية من الدهون والملح والسكر وغيرها.

وتمضي بي الأيام كمركب يبحر للأمام بسرعة كبيرة دون أن ينتبه أن أيامه تتسرب بين ذرات المياه التي يخوض غمارها، لأجد نفسي فجأة وقد كبرت، بينما أنا غارقة في مسؤوليات تفوق طاقتي، أشعر مع كل ذلك بملل يطبق فكيه على نفسي، ككماشة يعصرني، مرهقة ومنهكة حتى الرمق الأخير.

اشتاق لإجازة طويلة أقضيها في البيت دون أن أغادره، أنام حتى أستيقظ وحدي دون منبه يزعجني منذ الصباح الباكر محذراً من نفاذ الوقت وحاملاً العشرات من الرسائل الأخرى المحذرة، فأقفز من فراشي قفزاً لأن الكثير من المسؤوليات تنتظرني ووقتي محدود ومحسوب، فلا أستطيع إهدار أي جزء منه..

أبدأ مشواري الصباحي على عجالة من أمري، ولا أنتبه أن اليوم انقضى إلا عندما أخلد لفراشي ليلاً عندما تتجاوز الساعة الحادية عشر مساءً، وأُخال نفسي بأنني مجرد حطام. وبرغم هذه الحياة المنهكة، إلا أنني لم أسمح لتلك الأشغال والمسؤوليات بأن يجرفني تيارها العاتي، ويلقيني حيث يشاء، بل رحت أكابد الأمواج، وأسبح عكس التيار. فمثلاً، ألزمت نفسي بالقراءة والكتابة يومياً حتى غدت الكتابة طقس ليلي لا غنى لي عنه، كالماء والطعام. وكما أنجبت أبنائي وربيتهم، رحت أنجب الكتب والقصص والروايات وأُتعب نفسي في تهذيبها وصقلها، فتطرب روحي لرؤيتها ونجاحها. يأتيني بعض الناس يحدثوني عن العقبات التي حالت دون تحقيق أحلامهم، فيقولون: كنت أريد أن أفعل كذا وكذا إلا أن… منعني من ذلك، ويطلبون مني أن أصدقهم، بل وأتعاطف معهم، وهم أنفسهم لم يصدقوا أحلامهم، ولم يؤمنوا بها، ولم تكن شغلهم الشاغل ولا الحافز الذي يشحذ هممهم ويوقد الجذوة داخلهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.