ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

حماس” بعد 30 عامًا.. الصلابة عنوان والمقاومة الأساس

حماس التي نعرفها اليوم هي التي قرأنا عنها الكثير قديمًا؛ سواء في دراسات صدرت عنها بلسان غير لسانها أو تلك التي أنجزت بعقول وفكر "حمساوي"، لم يختلف فكرها القائم على المقاومة وإنما طورت فكرتها في القتال

شهدت الساحة الفلسطينية في الرابع عشر من كانون أول/ ديسمبر عام 1987، ولادة حركة مقاومة جديدة بفكر قائم على النظرة الإسلامية؛ مع العلم أنها لم تكن الأولى ولكنها كانت مختلفة عن سابقاتها.. حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، تنظيم إسلامي مضى على انطلاقته 30 عامًا، بدأ مشواره فعليًّا نهاية عام 1987 عقب اندلاع مواجهات الانتفاضة الفلسطينية الأولى “انتفاضة الحجارة” بعدة أيام، آمن بفكرة أن المقاومة سبيل تحرير فلسطين من الاحتلال “الإسرائيلي” وجاء على هذا الأساس كـ “امتداد فكري” لحركة “الإخوان المسلمين”، بدأ من المساجد حيث التربية وانطلق لساحات الوغى حيث القتال والصولات والجولات.
يُعرَّفُها البعض على أنها جزء من حركة النهضة الإسلامية، تؤمن أنها (النهضة) المدخل الأساسي لهدفها؛ تحرير فلسطين كاملة من النهر إلى البحر.. جذورها إسلامية، ويقول قادتها ومؤسسوها إنها حركة تحرر وطني ذات فكر إسلامي وسطي معتدل، تحصر نضالها وعملها في قضية فلسطين، ولا تتدخل في شؤون الآخرين.. وتعمل على توفير الظروف الملائمة لتحقيق تحرر الشعب الفلسطيني وتحرير أرضه من الاحتلال، والتصدي للمشروع الصهيوني المدعوم من قبل قوى الاستعمار الحديث.. وتَعتبِر الحركة أرضَ فلسطين وقفًا إسلاميًا ووطنًا تاريخيًا للفلسطينيين بعاصمتها القدس كاملة (غير مجزأة شرقية وغربية). تعتمد النظام المؤسساتي تنظيميًا والشورى في اتخاذ قرارها. وتحصر حماس مقاومتها ضد الاحتلال الإسرائيلي فقط، وليس لها أي معركة مع أي طرف في العالم، فهي لا تقاوم إلا من يقاتل الشعب الفلسطيني ويحتل أرضه.
طوّرت حماس من ذاتها ووسائلها؛ فبدأت بالتربية ونقلها فكر المقاوم الشاب إلى الرشق بالحجارة (السواعد الرامية) وهجمات الطعن فالعمليات الاستشهادية (كتائب القسام)، التي هزّت كيان الاحتلال وأرعبت المستوطنين الغزاة، حتى أصبحت اليوم تصنع أدوات القتال لمجاهديها بنفسها؛ لا سيما الصواريخ التي أحدثت بلبلة في تفكير قادة الاحتلال؛ الروس منهم والإنجليز وجميع الغرباء الذين احتلوا أرض فلسطين بـ “وعد” مزيف (بلفور 2 نوفمبر 1911)، وظَنُّوا أن شرعيتهم المزيفة سوف يصنعها قرار التقسيم الصادر عن مجلس الأمن الدولي (29 نوفمبر 1947)، أو اتفاقية هزيلة (أوسلو؛ سبتمبر 1993) جاءت بجنين “معاق” حركيًّا وفكريًّا، فأعادتهم حماس بقنابلها وأحزمتها الناسفة وأجساد استشهادييها الشباب، وفكر قادتها مشعل والياسين والرنتيسي وجمال منصور وأبو شنب والجعبري ويحيى عياش..، إلى الواقع الذي يؤكد أن الفلسطينيين لن يسلموا أرضهم مقابل فتات معاهدات واتفاقيات تسوية ثبّتت الاحتلال وزادت استيطانه في أرض فلسطين “الوقفية”.
حماس التي نعرفها اليوم هي التي قرأنا عنها الكثير قديمًا؛ سواء في دراسات صدرت عنها بلسان غير لسانها أو تلك التي أنجزت بعقول وفكر “حمساوي”، لم يختلف فكرها القائم على المقاومة وإنما طورت فكرتها في القتال ومواجهة احتلال تلقى كافة أشكال الدعم؛ العسكري والسياسي..، في سبيل سيطرته على فلسطين بما تمتلك من مواصفات وسمات جغرافية ودينية وغيرها.. لصالح أهداف غربية، أولها كان السيطرة على رقعة وموقع استراتيجي مهم ومهم جدًا، عبر التخلص من أكبر مشكلة كانت للدول الغربية حينها؛ وهم شَتات اليهود الذين يتكونوا من فتات وفئات غير متجانسة لا سياسيًّا ولا اجتماعيًا ولا حتى ثقافيًّا، وهو ما يؤكده ما بدأ يطفو مؤخرًا على سطح السياسية في دولة الاحتلال؛ لا سيما الخلاف على العمل أيام السبت وتجنيد اليهود المتدينين (الحريديم)..
بات من المُؤكد أن انطلاق حركة حماس وظهورها بقوة في الساحة الفلسطينية، قد عرقل، إن لم يوقف، نزيف التنازلات التي طالت نحو 75 في المائة من أرض فلسطين التاريخية.. ومنذ أن شعر الاحتلال أن حماس بمشروعها وفكرها المقاوم سيكون نهاية وجوده في فلسطين المحتلة قرر أن يوجه لها ضربة ظنًا منه أنه سيُنهي تلك الحركة الفتية، فكانت مرحلة إبعاد المئات من عناصر وقادة حماس إلى مرج الزهور في الجنوب اللبناني (ديسمبر 1992)، وسرعان ما حوله فكر الحركة المرن والواسع إلى “نعمة” سمحت لقادة حماس بالتواصل مع المجتمع الدولي والأحرار في الدول العربية والإسلامية، وإنشاء نقاط تواصل وقواعد سياسية ظهرت نتائجها جلية وبإيجابية فيما بعد.. وبعد أن تيقن الاحتلال من فشل خطوته اضطر لإعادة المبعدين الذين حولوا البقعة القاحلة المليئة بالأفاعي إلى جامعات ومراكز تعليمية تخرّج منها قادة عِظام وجنود أشداء رحماء؛ ومن ينسى محمود أبو هنود، قبل أن يعتقل العشرات منهم، وفشل أيضًا في إخماد جذوة وعنفوان تلك الحركة، فلجأ إلى الاغتيالات وهي سياسة أثبت فشلها الحروب الثلاث الأخيرة على غزة ومرحلة ما بعد اتفاق القاهرة لترتيب البيت الفلسطيني عام 2005 والانتخابات التشريعية عام 2006 وعمليات كتائب القسام منذ أوائل التسعينيات وأسر عددًا من جنود الاحتلال؛ أبرزهم جلعاد شاليط الذي كان بداية مرحلة جديدة لإنهاء وتحطيم الخطوط الحمراء و”المسلّمات” لدى الاحتلال.. وربما يخبئ لنا الزمان أكثر مما رأينا من حركة حماس في سبيل تحقيق حلم الفلسطينيين المنشود؛ الدولة والعودة.
اعتاد الفلسطينيون على “مفاجأة” من حركة حماس وذراعها العسكري “كتائب القسام” في كل مناسبة تخصها والقضية الفلسطينية، وتحديدًا يوم انطلاقة الحركة، وبالنسبة لهذا العام يُشكل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول القدس المحتلة واعترافه بها عاصمة لدولة الاحتلال “الإسرائيلي”، مِن المتوقع أنه سيكون الملف الأبرز هذا العام في الانطلاقة الـ 30 للحركة.
وقد قال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، الجمعة الماضية (08 ديسمبر الجاري) إن حركته تمتلك خطة استراتيجية للتعامل مع إعلان دونالد ترمب تجاه القدس المحتلة. وهدد خالد مشعل؛ رئيس المكتب السياسي لحماس، بأن حركته ستجعل من وعد ترمب البداية لإزالة “إسرائيل” كما كان وعد بلفور المشؤوم الخطوة الأولى لجلب اليهود الصهاينة لأرض فلسطين وبناء “الدولة المزعومة”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.