ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم

بقلم: عبدالرحمن نجم

يحتفل الأموات من البشر كافة برأس السنة الميلادية؛ باعتبارها الليلة الأولى لصدر عام آتٍ، وعَجْز عام آفل، والمُتبصِّر على اتفاقه مع أولئك المَوات في إحصاء الأيام يستهدي من السنين -المتوالدة من رحم الزمان- العبر التي تَمِيز بين مُعْمل عقله ومُؤجِّره.

 

وبقطع النظر عن الذاهبين إلى الأخذ ببطلان “الحتمية التاريخية”، التي هي على الجملة تقول بأن الزمن يُعيد نفسه؛ فإن الحقب والأزمنة على تنوعها وتمايزها لا جرم تُعيد تَكْرار حوادث ذات دلالة واحدة -كما هو شأن الثوابت الرياضية- وإن اختلفت هذي الدلالة في الشكل والحيثيات والشُّخوص، فإنها ليست تَبْرح أختها في دلالتها المعنوية.

 

ومما يسترعي فينا التدبر والادِّكار بحلول العام الجديد؛ أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم هو النبي الخَاتَم الحق، وأن في التقويم الميلادي الروماني معجزة له.

 

وجملته أنه تفرَّد عن الخلائق بأسرهم بكونه الوحيد الذي وُلد تحت الشمس؛ ذلك أنك لست تقع على سيرة لعظيم أو نبي إلا ألفيت أن ثمة حلقة مفقودة في ترجمته، فإذا وقفت على طفولة أحدهم استفقدت مراهقته، وإن أنت وقفت لأحدهم على فكر أو دأب آنست غياباً تاماً لأهل بيته وشأنه معهم، ولا سيما في خاصَّة الأمور.

 

أما خاتم النبيين الذي هو بشارة نبي الله عيسى بن مريم فمعلومة -لا مراء- ترجمته بدقيق تفاصيلها وحذافير حوادثها، ولا سيما تلك المتعلقة بميلاده يوماً وشهراً وسنة ووضعاً، وإنك لترى في اتفاق الكل -مسلمين ومستشرقين- على ميلاده معجزة تضاف إلى معجزة القرآن الكريم.

 

وعسانا نتبيَّن بجلاء المعجزة في ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم إن علمنا أن المسيحية بأناجيلها (متى، ولوقا، ومرقص، ويوحنا) لم تتفق على يوم محدد لميلاد عيسى عليه السلام؛ إذ الإمبراطورية الرومانية -التي حاربت المسيحية في مهدها- قد اعتنقت المسيحية رسمياً عام 312 م على عهد الإمبراطور قسطنطين، وفي عام 532 م نادى الراهب دينوسيس الصغير بتأريخ الأيام؛ باعتماد السنة الأولى لميلاد المسيح باكورة لها.

 

ويُورد في هذا المقام الكاتب الأديب عباس محمود العقاد بكتابه “عبقرية المسيح” أن دينوسيس الصغير -الذي صُحح الحساب على تقديره وجرى العمل على حسابه إلى الآن- لم يُعصم من الخطأ بضع سنين، إلا أن هذا الخطأ المُقدر بـ4 سنين قد سبق في سيفه عذله؛ فتعذر استدراكه وإصلاحه.

 

أما القول الأصوب -على ما ذكر صاحب العبقريات- فهو أن تقدير المؤرخين الدينيين وغير الدينيين يجنح للأخذ بأن ميلاد المسيح قد تقدم السنة الأولى للميلاد ببضع سنين على أصح التقديرات.

 

ومعلوم أن كلمة (بضع) تنم في اللغة على ما بين الثلاثة والتسعة، وكفى بالذي سلف حجةً دامغةً على المتشككين في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكونه ختم الرسالات السماوية ونسخها عن آخرها، زد على ابتعاثه للناس عامة في وقت اقتصرت فيه النبوات فيما خلاه من الأنبياء قاطبة على أقوامهم فحسب، اقتضى أن يُعلم كل أمره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.