أهم العناوينإشراقات سياسية

فلسطين وسؤال الهوية، وهرطقات كاتب عربي

لم يحسن بعض الأصدقاء طرح الوثائق التي تؤكد هوية فلسطين، وذلك في معرض ردهم على تصريحات الكاتب الكويتي عبد الله الهدلق حينما قال بأنه لا يوجد في التاريخ دولة اسمها فلسطين قبل إعلان قيام دولة إسرائيل، وأن الشعب الفلسطيني مجرد شتات يتوزع في الإقليم العربي.

عَرض الكُتاب والهواة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعض الطوابع البريدية والعملات النقدية التي تحمل اسم فلسطين، وتجاهل الأصدقاء أن هذا الاسم قد كتب بالعربية والعبرية والانجليزية، وأن هذه الطوابع صدرت في عهد الاحتلال الانجليزي لفلسطين، بينما لم تذكر مجمل الوثائق والعملات المعدنية والطوابع البريدية هذا الاسم من قبل، وللأمانة فإن أول من أطلق اسم فلسطين على هذه البقعة الجغرافية وبدلالته السياسية ككيان سياسي كان أثناء عهد الاحتلال الانجليزي، ولم يرد هذا الاسم إلا بألفاظ ضعيفة الدلالة أطلقت على بعض القبائل العربية التي سكنت هذه الأرض مثل البلست أو الفلست، وقام أهل التأريخ بتأويل جذور التسمية، وتحدث بعضهم عن تفسيرات قشرة الطين وعلاقتها بالأرض والفلاحة.

ما أود قوله بأن بريطانيا هي من قسمت الإقليم وصنعت وحداته السياسية، وهي من أنشأت بعض الدول الحديثة ومعها فرنسا، وحاولت أن تبحث في قواميس تراث هذه الشعوب عن هوية جديدة، تعزز القُطرية وتعيق الوحدة وتلغي مفهوم الأمة أو تلغي إقليم بلاد الشام على الأقل.

لم يتمتع أهالي فلسطين بكيان سياسي مركزي ومستقل عبر التاريخ البشري، بل كان جزء من دولة الأمة وتتبع لدمشق مباشرة كغيرها من أطراف الشام، ولم يتمرد أهالي هذه البلاد على حكوماتهم منذ العهد الأموي ولا بالانفصال حينما كانت العاصمة في دمشق أو بغداد أو القاهرة أو اسطنبول، سوى بعض زعامات الساحل الشامي مثل ظاهر العمر الزيداني وفخر الدين المعني، ممن تأثر هواهم نتيجة وشائج العلاقات مع تجار فرنسا وايطاليا، وفشل تحركهم هذا.

وحتى مراسلات الحسين مكماهون 1915م لم يرد فيها اسم فلسطين، بل ورد فيها مصطلح سوريا الجنوبية أو الساحل الشامي الجنوبي، وفي مجمل الكتب الإسلامية القديمة ومواثيق ومعاهدات الصلح والفتح والعنوة بين الأمم المتصارعة هذه البقعة من الأرض ذكرت هذه البلاد باسم بيت المقدس والأرض المقدسة.
وليس من الصواب القيام بعرض عشرات النقود والطوابع البريدية التي تم إصدارها في عهد الاستعمار البريطاني لتعزيز هوية فلسطين، سيما أن عُمر هذه الوثائق لا يزيد عن قرن في أفضل الأحوال، بينما لدينا كم ضخم وهائل من الدلائل التي تعزز هوية هذه البلاد العربية والإسلامية، وتتمثل بكم كبير من الآثار الأموية والعباسية والعثمانية المنتشرة في أرجاء البلاد منذ عام 636م – 1918م، وهي الشاهد على هوية هذه البلاد وأحقية سكانها العرب، ويضاف إليها تلك الآثار التي خلفتها القبائل العربية في أرض فلسطين قبل الفتح الإسلامي 3500 ق. م – 636م.

لسنا بحاجة لنعزز الخلاف حول جذور التسمية، سيما أن ذلك قد يغضب بعض دعاة الوطنية الضيقة ونشطاء حقبة ما يسمى بما بعد الاستعمار، فعروبتنا وديننا الإسلامي هي العنوان الكبير، وهي الحامي لهويتنا وموروثنا، وزيتوننا الكنعاني القديم وبيوتنا القديمة التي بناها الإنسان العربي في هذه البلاد منذ قرون وقرون قد امتزجت مع هوية الأمة، لعل قلاعنا الشامخة في عكا وغزة وحيفا ويافا والقدس والخليل وبئر السبع وصفد وطبريا ترفض الانكسار وهي صامدة رغم سياسات الاحتلال، ولعل هذا الامتزاج بين أرواحنا ولكناتنا وسحنتنا ووشائجنا الاجتماعية مع هذه الأرض هو الشاهد وخير برهان ودليل على هويتنا، وكون بيت المقدس آية في كتاب الله، فإن هويتنا حتماً لا يمكن أن تضيع أو نختلف حولها.

ونتيجة مشهد قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي على أجزاء من الجنوب الغربي من بلاد الشام، بفعل تحالف الصهيونية مع الاستعمار الغربي، تم تهجير أكثر من نصف سكان هذه البلاد من العرب إلى جوارهم العربي في بلاد الشام، لصالح توفير مساكن تستوعب الهجرة اليهودية المتتابعة من غرب روسيا وشرق أوروبا، فتم تأسيس دولة للغرباء بالقوة على أجزاء غالية من هذه الأرض العربية.

وحين الحديث عن دولة الكيان الغاصب، فإنها الدولة التي أسهمت في استمرار الصراع البشري على ضفاف قارات العالم القديم، إنها الدولة التي لأجلها ارتكبت كل المعاصي وتصارعت نتيجة مفاسدها العوالم، ولأجلها لم ينعم أطفال شعبنا بالأمن والسلام، إنها دولة المسيخ الدجال، ولعلنا نشهد كيف يذعن أمام بريق سحرها بعض العُربان.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق