ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

بين حنايا الذاكرة والحنين

ابنة الشهيد القسامي عبدالله القواسمي تكتب عن أبيها

 

الشّهيد يا حبيبتي لا يموت والشهادة ما هي إلا محض اصطفاء لا ينال مقامها إلا من صدق الله، مقام لا يكون إلا لنخبة النّخبة من عباده المؤمنين ، وللمجاهدين يا أبطالي صفات ونفوس خاصة أهَّلها الله لهذا الشّرف العظيم، أتذكرون حمزة وجعفر الطّيار وعبد الله بن رواحة ومن سبقهم ومن بعدهم، كيف جاهدوا مع رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وقضوا شهداء ربما لم يروا نصرا مؤزرا بأعينهم لكنهم كانوا سبباً في نصر عظيم وفي نشر الّدعوة الإسلامية لتصل إلينا و كل البقاع، وكذا نحن على درب رسولنا الحبيب نحن جند للدعوة وجند لفلسطين وسنكون سببا بإذن الله في دحر آخر محتل من أرضنا، ثم إن لم نكن لقدسنا وأقصانا فلمن نتركها ولمن ستكون؟

والشهيد يا أحبابي لا يليق بأهله ومن أحبه إلا الحمد لله فرحا فلا جزع ولا شجون فقد نال حبيبهم باستشهاده أسمى ما تمنى… بتلك العبارات وأكثر زيّن والدي الشهيد عبد الله القواسمة أطراف حديثه وجلساته معنا ورصّع سطور رسائله التي كان يبرقها لنا من سجنه رغم صغرنا كل يخاطب باللغة التي يدرك -فقد كنا ننتظر رسائله على أحر من الجمر حيث كان لكلّ واحد منا الستة رسالة خاصة جميلة وملونة عدا رسالة أمي والرسائل الأخرى- فمنّا من كان يقرأ رسائله بنفسه ومنّا من كان أصغر، تقرأ أمي له الرسالة، فرغم السّنوات القليلة التي قضيناها معا وهو ما بين أسيرٍ في السجون وإبعاد إلى لبنان-مرج الّزهور- ثم مطارة، ورغم أنّه كان يحمل همّ وطن بأسره يعد العدة ويجهّز الإستشهاديين إلا أنّه لم يكن ليغفلنا يوما – إلا فترة مطارته الأخيرة فقد غاب عنا أكثر من عام إلى أن اصطفاه الله شهيدا، وقد كان الدّعاء في تلك المرحلة أعظم وصال بيننا -،

وكان رحمه الله شديد الحرص لاستغلال كل موقف وحادثة ليغرس قيمة فينا فيترك أثرا عظيما في نفوسنا يكبر معنا، ويعقد رباطنا في أرضنا وقدسنا فحب الوطن ليس شعارا يرفع إنما هو جزء من الإيمان وجزء من عقيدتنا وحب الوطن إخلاص وعمل، فقد جاب بنا رحمه الله معظم المدن الفلسطينية – التي يسمح له أن يدخلها- ومعظم قراها وكانت رحلاتنا الأجمل إلى القدس والأقصى نصلي فيها ونلعب في ساحتها ونمشي في طرقاتها، وكانت وصيته الدائمة لنا (إن حرمت من وصول الاقصى يوما، وزارها أيٌ منكم فليصلّي عني ركعتين هناك وليخصّني في دعائه)، ولا أنسى زيارتنا إلى بلدة رافات ولا تلك القبلة التي طبعها على يد والد الشهيد يحيى عياش،، وقد كان في كل رحلة يوقف سيارته في العبيدية تحديدا قبل دير مارسابا تحت أشجار السرو، هناك حيث تُظهِر قبّة الصّخرة بريقها من بين الجبال البعيدة يقف ويلقي ونلقي التحية ونهديها الأشواق – يوما ما يا صغاري سنصلها بلا حواجز ولا تصاريح سنصلّي في ساحاتها فاتحين وسترفرف رايات التوحيد فوق أقصانا بإذن الله، وذلك لن يكون رخيصا أبدا، فحدود فلسطين التي شوهها المحتلّ سيعاد رسمها من جديد لكن بدمائنا وجهادنا ودون ذلك حتما لن تعود -ونكمل المسير، أترون تلك الجبال الكبيرة التي أقيمت عليها تلك المستعمرات؟كلّها سلبت وجردت من أهلها دون وجه حق، وكلّها ستعود لنا وسيرحل المحتلّ من حيث أتى ،وأوقفنا على سفح جبلٍ في الخليل نرى فيه غزّة وبحرها من بعييد ،هناك شيخنا الياسين وهناك عقل والعياش سلموا الرّاية ورقدوا في أمان …. ،

ولم ينس الشّهداء ولا ذويهم ولا حتى زيارة قبورهم فكم اصطحبنا معه لزيارتهم، ولا يكاد يغيب عن مسمعي حديثه مع الشّهيد جهاد غلمة فوق قبره وكنّا أطفالا نستمع وننظر بصمت لغرابة المشهد: (السّلام عليكم دار قوم المؤمنين انتم السّابقون ونحن اللّاحقون السّلام على روحك الطّاهرة يا جهاد كيف حالك؟ وكيف هي الجّنة معك؟ جئتك اليوم زائرا ومعي أبنائي فقد اشتقت إليك كثيرا، أتذكر القميص الجميل الذي أهديته لي في السّجن ها أنا ألبسه الآن … )!، فكان يحيا مع الشّهداء وجعلنا نعيش معهم بفضلهم وكراماتهم ولازلت أذكر أنا وأخواتي سباقنا الدائم فيمن ستعد الضّيافة لضيف والدي هذه المرة أولا فربما ضيف اليوم شهيد الغد ! وله مع مساجد الله قصص تطول ففي كل جمعة كان يذهب لمسجد الحرس قبل قدوم المصلين ينظف سجاده والمطهرة ، ويطلب مني وأخواتي تنظيف غرفة النّساء وكذا مسجد خليل الله المحتل فقد كان ما استطاع يصلي صلاة الفجر فيه ويصطحب في سيارته من يجدهم في طريقه من المصلين وجهتهم مسجدا آخر ويقول لهم : (ذاك موضع يغيظ أعداء الله إقبالنا عليه لذا تكثير سواد المسلمين واجبنا الادنى هناك…). **

وها هو عمر مضى كنا أطفالا وأصبحنا كبارا، وفي كل يوم أزداد يقينا بأنكم والمجاهدين نفوس وصفات خاصة حقا، فتلك اليد التي كانت تحمل السّلاح وتعد الإستشهاديين، هي ذاتها التي اشترت لي أجمل لعبة ورتبت شعري قبل الذهاب إلى المدرسة ومسحت دمعتي لحظة انتهاء زيارة السجن ، وهي ذاتها التي ساعدت أمي في إعداد أطيب أكلة وكانت خير معين لهافي كل شيء، لقد غمرتنا بحبك وحنانك وتوجيهاتك يا والدي ما لم يحظ به طفل عاش طفولته وشبّ في حضن والده، ولقد ودعتنا حقا لكن روحك لازالت تسري معنا، ولا زلت فينا أرى رجولتك في إخواني الذين تركتهم صغارا وأسمعك في صدى أصواتهم، وأراك في أبنائنا وهم يحملون اسمك فخرا وفي أمي وهي تحمل رسالتك و تصون عهدك وتحمي العرين .

رحمات الله تترى على روحك يا بطلي وإلى الملتقى …. .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.