إشراقات سياسية

انتفاضة القدس … سماتها وآفاق استمرارها

انتفاضة أم هبة؟

لفترة طويلة ظل المحللون مختلفين على تعريف الأحداث التي اندلعت في مطلع تشرين أول 2015 هل هي انتفاضة أو هبَّة شعبية مؤقتة؟ وبمرور عامين على اندلاعها فقد أصبح من الطبيعي وصف ما يجري على أنه انتفاضة رغم الفروق الواضحة بينها وبين انتفاضتين سابقتين، انتفاضة الحجارة عام 1987 وانتفاضة الأقصى عام 2000، قد بدأت الأحداث بعملية إطلاق نار على طريق مستوطنة إيتمار شرق نابلس في 01/10/2015 نفذها نشطاء من حركة حماس وقتل فيها ضابط احتياط كبير في جيش الاحتلال الصهيوني وزوجته، وتلتها عمليات طعن ودهس متلاحقة في شوارع القدس وغيرها ومواجهات خاضها الشباب وخصوصا طلبة الجامعات مع قوات الاحتلال في ساحات الأقصى وفي نقاط التماس على مشارف المدن كل ذلك ردًا على محاولات سلطات الاحتلال فرض التقسيم الزماني والمكاني على المسجد الأقصى.

سمات الانتفاضات السابقة

خلافا لانتفاضة القدس المتواصلة، فقد تميزت الانتفاضتان السابقتان بطابع جماهيري واسع ومشاركة شعبة عريضة بسبب كثرة نقاط الاحتكاك مع قوات الاحتلال في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وكانت الإضرابات العامة والمواجهات المفتوحة في شوارع المدن والقرى ليلا أو نهارا هي السمة البارزة، تميزت سياسات الاحتلال بإجراءات العقاب الجماعي للسكان على كافة الصعد بالإغلاقات ومنع العمال من الدخول إلى مناطق 48 لفترات طويلة ومنع سفر أهالي المدن والقرى ووضع الحواجز على مداخلها وعلى الطرق الرئيسية بينها، حتى بلغ عددها ما يزيد على 600 حاجز، وإعاقة الحركة التجارية والتعليم والرعاية الصحية ومنع وصول الموظفين إلى مقار عملهم وتدمير البنى التحتية وكما أن الفاعلين في الانتفاضتين السابقتين كانوا من المؤطرين تنظيميا والفعاليات تدار وتوجه من قبل الفصائل التي تمتلك هياكل تنظيمية وتخضع لقيادات مركزية ولها امتدادات في كافة القرى والمدن مع غياب واضح لأي عمل فردي، كما حظيت فعاليات وأنشطة الانتفاضتين بدعم وتوجيه وتمويل علني او خفي من قيادة م ت ف وبعض الدول العربية ولاحقا قيادة السلطة الفلسطينية في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات ومن الفصائل على اختلافها وتنوعها.

سمات انتفاضة القدس

أما انتفاضة القدس فقد تميزت بخصائص فريدة غير مسبوقة جعلت المحللين والمراقبين يختلفون على مدى اتساعها وزخمها ما بين هبة مؤقتة مرتبطة بحدث أو انتفاضة كاملة الأركان من حيث الانتشار والاستمرارية. فرغم اندلاعها بعد عملية إيتمار، التي قامت بها حماس، إلا أن الأحداث اللاحقة نفذت في أغلبها على أيدي فتيان أو فتيات تتراوح أعمارهم ما بين 14 إلى 20 عاما، وهو الجيل الذي نشأ في ظل اتفاقية أوسلو، الجيل الذي راهن كهنة أوسلو على مسخ شخصيته وانتمائه وتطبيع علاقته بعدوه وحرف اهتماماته من التحرر إلى الرفاهية والقشور والقبول بواقع الاحتلال والتعايش معه، جيل صنعه الواقع وصقلته الأحداث في غفلة من دهاقنة السياسة وخبراء الهندسة الاجتماعية، جيل تجاوز الحاجة إلى التأطير والتنظيم وتجاوز الحاجة إلى التعبئة والشحن الفكري فقد شحنه إجرام الاحتلال واعتداءات جنوده ومستوطنيه الوحشية بحق المقدسات والمواطنين، وغذا روح الجهاد ومعاني الاستشهاد لديه محاولات الاقتحام اليومية للمسجد الأقصى وحرق المساجد والمزارع في القرى المجاورة للمستوطنات وحرق الفتى محمد أبو خضير وعائلة دوابشة ومسلسل الإذلال اليومي على الحواجز.

الانتشار الأفقي والعمودي للانتفاضة

وقد اتسعت الفعاليات جغرافيا لتشمل شبابا من أهلنا في الداخل الفلسطيني المحتل، وعمريا لتشمل أطفالا دون الرابعة عشرة وشيوخا فوق الخمسين ولم تقتصر على الذكور بل إن نسبة كبيرة من عمليات الطعن قامت بها فتيات، ولعل ما أربك حسابات العدو ودوائره الأمنية وجعل من المستحيل رصد منفذي أعمال المقاومة أن أغلبها أعمال فردية لا يسبقها اتصالات ولا حركة تحويلات مالية ولا تسريب معلومات من خلال اختراق التنظيمات أو عن طريق التحقيق مع ناشطين آخرين أو التنسيق الأمني الرسمي للسلطة، بل إن الطابع الفردي انعكس أيضا على الوسائل المستخدمة في مقاومة العدو والتي تميزت بالبساطة والوفرة وصعوبة الرصد والملاحقة فكانت السكاكين هي السلاح الأكثر شيوعا إضافة إلى عمليات دهس الجنود في محطات الانتظار وصولا إلى الأسلحة المصنعة محليا (الكارلو).

ردود فعل العدو

وأمام هذه الأحداث المتصاعدة اختلفت ردود أفعال الاحتلال خلال انتفاضة القدس عما سبق من انتفاضات، فقد تركزت العقوبات على عائلات المنفذين ومحيطهم المباشر بالاعتقال وهدم البيوت ومصادرة الأموال واحتجاز جثامين الشهداء لشهور طويلة والتنغيص على أهالي القرى لمدة قد لا تزيد عن أسبوع ثم تعود الحياة إلى طبيعتها، ولوحظ أن سلطات الاحتلال تجنبت إغلاق مناطق واسعة ونشر الحواجز لفترات طويلة تلافيا لاستفزاز المزيد من ردود الأفعال وعمليات الثار، واعتمادا على تعاون الأجهزة الأمنية الفلسطينية للسيطرة على الأوضاع واعتقال المشتبه بنيتهم القيام بأعمال المقاومة, وهو ما تفاخرت به قيادات هذه الأجهزة، وطالما راهن الاحتلال على إخماد جذوة الانتفاضة مع الزمن وهو ما لم يحدث حيث شهدت الانتفاضة موجات من التصعيد مع كل اعتداء على المقدسات والإنسان.

آفاق المستقبل ومقومات الاستمرار

أما وقد توِّجت انتفاضة القدس على مشارف عامها الثالث بعملية نوعية صادمة لدوائر استخبارات الاحتلال على مدخل مستوطنة “هار أدار” شمال القدس، وأن الاحتلال ما زال ممعنًا في سياسة القتل والتهويد والمصادرة والتوسع الاستيطاني، ومفاوضات الضعيف مع القوي، باعتراف أصحابها، لم تفلح في المحافظة على ما تبقى من أرض أو مقدسات، والشباب المؤمن بقضيته والطامح إلى التحرر لا يرى إلا الجهاد والاستشهاد طريقًا لانتزاع حقوقه ولم يعد ينتظر العون من واقع عربي يزداد تشرذمًا وانحطاطًا، والمزاج العام الفلسطيني يدعم المقاومة ويؤيدها ولا يرى في غيرها أملًا أو نتيجة.

فإن هذه العوامل في تقديري ترجح استمرار انتفاضة القدس وتطورها وتضعف احتمال السيطرة على زخمها، ما لم يحدث تغيير جذري في المشهد الداخلي أو الإقليمي.  

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق