ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

مع الراحلين؛ أبي الشهيد

 

صفاء ابنة الشهيد يوسف السركجي – نابلس

لا تكون دائمًا الذكريات مدعاة للحزن والكآبة خاصة إذا ما تعلق الأمر بالشهداء، بل  من الأشياء التي تسعدنا ذكرياتنا مع من رحلوا عنا ، كذكرياتي مع والدي في مرحلة الطفولة فقد فقدته في عمر التاسعة، أتذكره كأب حنون يلاعبني ولا يزعجه أن يبقى بجانبي في أي لعبة أريدها،  كان يساعدني  في حل واجباتي المدرسية في الأيام القليلة التي قضاها معنا قبيل المطاردة، وكان لا يرفض لنا طلبًا أنا أو إخوتي حتى أني ذات يوم أعجبتني لعبة في محل قريب من منزلنا وكان يومها مشغولاً جدًا أثناء النهار وفي الليل قلت له ببراءة الأطفال: 

 

مش رح أنام بالبيت إذا ما جبتلي اللعبة

فذهب واشتراها لي من المحل كان ذلك في الحادية عشر ليلًا.

علمنا على الأخلاق الفضيلة والأعمال الصالحة وكان يستغل المواقف حتى يعلمنا بأسلوب محبب أمور الدين ويمارس معنا العبادات كصلاة الجماعة وقراءة الأذكار وسورة الكهف، أبقانا جميعًا على استعداد لسماع خبر استشهاده وكان يطلب منا مع كل شهيد يلقى ربه (ادعوا لي بالشهادة) ،حدثتني أمي ذات يوم أن قوات الاحتلال أتت الى منطقتنا بحثًا عن مطلوبين ووالدي أصر ألا يغادر المنزل حتى يكمل إطعامي وذلك في أثناء عمل أمي بالمدرسة.

لا أنسى سباقه معنا أنا وأختي في ساحة سجن الجنيد، كان أمرًا ممتعًا جدًا لنا، كما لا أنسى يومًا أتى إلى المنزل أثناء المطاردة -وهذا أمر ليس بالأمر السهل- مع بداية فصل الشتاء  كي يساعد أمي في فرش سجاد المنزل وقال لها:

توقعت أنك ستفرشين سجاد المنزل وبحاجة لمساعدة فأتيت لمساعدتك،  

فرش المنزل يومها وغادره ولم يعد إليه حتى استشهد، هذا جزء بسيط من ذكريات كثيرة.

جمع بين هذه الصفات الإنسانية وبين صفات قائد قسامي، كان يقوم بكل هذه الأمور وهو القائد الذي تشغله عمليات استشهادية وحذر شديد يجب أن يكون عليه دائمًا واستعداد لأي مواجهة مع اليهود، لم يشعرنا يومًا بثقل مسؤولياته ولم يقصر اتجاهنا في أيامه القليلة معنا.

أشهد الله أنك يا أبي منحتنا من الحب والحنان كل طاقتك، أشهد الله يا أبي أن ذكراك في قلبنا طيب، وأثرك طاهر، وسيرتك فخرٌ لنا، رحمك الله يا أبي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.