إشراقات سياسية

الاحتلال حاكمهم، والسلطة الفلسطينية تجوّعهم!

رولا حسنين – صحفية – رام الله

الشعور الذي لا تستطيع كتابته هو الشعور الذي يأتيك دون قدرة منك على تقبله، شعور خانق الى أبعد حد، أحاول منذ أيام لملمة كلماتي والإمساك بقلمي للكتابة حول ماهية قرار سلطة رام الله قطع مخصصات استحقاقية لأسرى ومحررين، والتهمة انتماؤهم السياسي الذي عاقبهم عليه الاحتلال، والتهمة أنهم ناضلوا من أجل الوطن والقضية وحاكمهم على نضالهم المشرف، الاحتلال.
يوم الجمعة، في ساعات الصباح الباكر مررت بخيمة اعتصام الأسرى في يومهم الـ 20، ربما لم أر تفاصيل رصيف المدينة بهذا العمق من قبل، رصيف مدينة رام الله الذي يفترشه الأسرى المحررين معتصمين رفضًا لقرار تجويعهم، مساحة تشبه تمامًا مساحة زنازين الاحتلال التي أكلت من أجسادهم سنوات طوال، مساحة لا تشبه القصور العاجية التي ينام فيها المسؤولين عن تجويعهم، مساحة بات لها في مفهومي قداسة ما، قداسة شرف أو عزّ وفخر، أو ربما قداسة غرباء بكل ما للمصطلح من معنى، غرباء عنا في التضحية والصبر والتجلد على الألم، غرباء عنا في مواصلة ايمانهم بأن التضحية واجبة لا منّة على الوطن، غرباء في أنهم يجلدون من ابن جلدتهم وما زالوا يتحدثون عن الوحدة الوطنية، غرباء في أنهم يحاكمون على يد وطنهم وهم يومًا ما أرخصوا أرواحهم له.

خيمة الاعتصام تلك تتجسد في أسرى محررين جاؤوا يدافعون عن قضية، وليس عن مخصص مالي يعيل أسرهم، هم جاؤوا ليدافعوا عن خطوات قادمة ستشهدها الساحة الفلسطينية تتجسد في حل كامل لكل هيئة أو مؤسسة تعمل لصالح قضية الأسرى، مع قطع مخصصات مالية لآلاف الأسرى، وتحويل ملفاتهم الى ملفات “أفراد نفذوا العنف والإرهاب ضد دولة إسرائيل” فضمنًا يُدرجون على مفهوم “الإرهاب” وفق ما طالب به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وبتوافق مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ضمن خطة أمريكية إسرائيلية لتصفية كاملة لمفاهيم مقدسة لدى الشعب الفلسطيني، فبعد أن وُصفت عمليات فدائية بأنها “انتحارية وإرهابية” على ألسنة مسؤولين سياسيين فلسطينيين، للتقليل من قيمة المقاومة والشهداء، اليوم ينفذون حملة تشويه للأسرى والمحررين، ليوصلونا إلى رؤيتهم بأنهم عالة على المجتمع الفلسطيني وبسببهم نحن أبعد عن خرافة السلام، قاتل الله سلامهم وكل من يؤمن به.

ولعل أمر قطع رواتب أسرى ومحررين ليس غريبًا على منهجية سلطة رام الله، فهي متواصلة في اعتقال الأسرى المحررين، ومداهمة أماكن استقبال أسرى في طريقهم إلى الحرية، واستدعاء متواصل للمحررين، للتنكيل بهم في عيشهم، وكأنها تريد أن توصل لهم رسالة أنكم تحت طائلتنا دومًا، وتحت أعيننا ومراقبتنا، وقد تمادت أكثر من ذلك في استدعائها لمن هُم ما زالوا أسرى في سجون الاحتلال!.

أواصل مروري بالخيمة، ولا أفطن إلا للذاكرة التي لا تجعلهم ينامون ليلهم كمحررين يعتصمون أو كأسرى ما زالوا في سجون الاحتلال، جل تفكيرهم كيف ستتدبر عوائلنا أحوالها المادية في ظل هبوط مجتمعي حاد تجاه قضيتهم، ربما الأشد فتكًا هي الذاكرة التي تعود بهم إلى الماضي، يوم أن كان للمقاومين هالة قداسة وللأسرى هالة فخر واحترام وتعاون، يوم أن كان الشعب يعطف على عوائل الأسرى ويشد عضدهم، واليوم باتوا ينامون على رصيف المدينة وحدهم، ونحن خذلناهم في الدفاع عن حقهم المشروع، فباتوا كالأيتام على مائدة لئام، ألا لعنة الله على خذلاننا وصمتنا وضعفنا.

تحدثني زوجة أسير من جنين، أن زوجها طلب منها عرض منزلهم للبيع لتتمكن من اعالة نفسها وطفلتيها فيما لا زال يقبع زوجها في سجون الاحتلال والذي يتطلب من عائلته أيضًا أن تحمل على عاتقها تكاليف زيارته في سجنه وإدخال الملابس والاحتياجات المالية له، حاولت زوجة الأسير إيصال رسالتها لي ولكن الغصة التي تملأ جوفها ربما أقوى من أن تسمح لها بالحديث عن سقوط كامل لقيم وضمائر المسؤولين، ولضعف شديد وموت بطيء للشعب الذي يسكت أمام قرارات وقحة، ويسمح للسلطة الفلسطينية بتمرير قراراتها المجحفة.

لا أبالغ إن قلت أن ما نحياه اليوم –خاصة في الضفة المحتلة- هو احتلال داخلي يوازي الاحتلال الصهيوني لنا، بل أشد فتكًا في أدواته، فالوطن لحصين لا يُهزم الا إن ضُرب من الداخل، ووطننا لم يهزم فحسب، بل أصبح قضية تجارة، فعلى أي فاجعة سياسية أخلاقية قيمية سنستيقظ غدًا؟!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق