تربوية

الأسيرات .. ساعات وأيام يحاصرها الشوق إلى الحرية

بقلم: نور الإسلام درويش – رام الله

طالبة جامعية وأسيرة محررة

لطالما صاحبتني الرغبة لمعرفة كيف يقضي الأسير أيامه في المعتقل؛ كل ذلك الوقت وكل تلك الساعات الطوال، ماذا يفعل؟ بالطبع لن يبقى واقفًا على أطلال الحرية مهما بلغ الشوق لها، وكنت أرى عبر التلفاز أو أسمع من بعض ممن خرجوا من السجن بإنجازات كبيرة فهذا يقول قرأت كذا وكذا وهذا قد ألّف قصائد، والأجمل هي تلك الكتب التي قرأناها في أدب السجون..

دارت بي الأيام وكُتب علي أن أخوض غمار هذه التجربة قسرًا وظلمًا؛ بعد خروجي من التحقيق في مركز توقيف (المسكوبية-القدس) بعد قضاء ما يقارب الـ٣٥يومًا، هناك تم نقلي إلى سجن الدامون في حيفا والذي قضيت فيه فترة حكمي(٨ أشهر)؛ أمضيت أيامًا قليلة أحاول فهم ما حدث!

أحاول تقبّل هذا الذي أصدق ما نسميه بالانسلاخ ؛نعم الانسلاخ من قمّة وذروة الانهماك في حياتك الجامعية وأنت تقف على أعتاب التخرج، تلملم شعث سنينك لتودع محطة كانت أهم من صقلك لتجعلك على هذه الصورة بهذه المخرجات؛ كانت محطة مركزية بل ربما ستكون هي محطة الوقود الأساسية في حياتك جلها لتزودك بوقودها طوال مراحل العمر.

إن المعاني التي اكتسبناها هناك لم نكن لندرك سبيلاً للحياة بدونها، في لحظاتي الأولى في الأسر قلت لنفسي لربما هذه المحطة غير المتوقعة جاءت لتكمل ثغراتٍ لم أصل لها أو أنلها في تجاربي السابقة، وكما يقال: “فالتجربة خير برهان”، دخلت سجن الدامون وقد كان يحوي ما يقارب الـ 23 أسيرة يتوزعن في غرفتين إحداهن تحوي ١٨سرير والأخرى ٨ أسرة ،في اجاف(قسم) “٦١” كان المستقر بدأت أرتب أفكاري للانطلاق فأنا لا أعلم كم سأبقى هنا، أيامًا، شهورًا أو يزيد.. ولم أكن أحب التفكير حتى بهذه الطريقة.

كنت أتجنب التفكير في المدة لأن هذا الأمر مستنزفٍ للطاقة بلا طائل، بعد توفيق الله وهدايته وتسخيره لصحبة صالحة تعين على الوصل والوصول، بدأت في مراجعة ما أحفظه من القرآن واستمررت في إكمال وحفظ سُوَر جديدة وتنقلت بين القراءة في الكتب التي كنا ندخلها في الزيارات، حيث كان يسمح لكل أسيرة بإدخال كتابين كل شهرين وفِي كل مرة تريد إدخال كتب جديدة كان يجب عليها إخراج كتابين بديلين فلم يكن هناك إمكانية لتجميع الكتب أبدًا، بل ندخلها ويتم تبادلها بين الأسيرات وبعد فترة يتم إخراجها لإدخال غيرها وهكذا.

والرياضة كانت موجودة بشكل محدود بحكم وجود الكاميرات في الساحة فكانت تُمارس في داخل الغرف فقط وبأشكال فردية في المعظم، مر علينا خير شهور العام شهر رمضان لنعيشه بعيدًا عن الأهل لأول مرة في العمر، وكنا نقضيه بين القرآن والذكر والعبادات، وكانت هناك أيضًا دورة لتعليم أحكام التجويد للأسيرات “لم تكن إجبارية بالطبع” ولكن كان الإقبال عليها من المعظم تقريبًا.

ولعل أبرز مظاهر الاختلاف بين سجون الأسيرات والأسرى هي التقسيمات التنظيمية، فلا وجود لها عند الأسيرات بحكم قلة العدد فهن مجتمعات في سجنين؛ هشارون والدامون بعدد يتراوح بين الـ٦٠والـ٧٠ ، ولعدم وجود تنظيمات فهذا الأمر يترتب عليه وجود اختلافات فكرية كبيرة بينهن وبناء عليه يصعب على ممثلة الأسيرات تحديد أمور إجبارية للكل؛ كجعل دورات التجويد إلزامية للكل مثلًا كما يحدث عند الشباب.

هناك في السجن تستطيع أن تجسد معنى العطاء بأن تروي من حولك بما تستطيع إليه سبيلًا، تدرسهم التجويد إن كنت قادرًا، وتتبادلون الاهتمامات والأحاديث في خبراتكم الحياتية (أحاديث خاصة بدورات التنمية البشرية مثلًا وووالخ) أو الأحاديث الساذجة والقيل والقال فأنت من تحدد موقعك من الإعراب هناك، وهذه النقطة الأهم وهي التحدي الأكبر في كل مرحلة السجن، أنتِ في السجن لا تمتلكين سوى الوقت وهو ما يملكه الجميع، ولكن آلية سماحك لهذا الوقت بالنفاذ هي من تصنع منك ما تريدين أن تخرجي به من السجن.

نعم لقد كان السجن امتحانًا لما تعلمت، وليس كما تخيلته مصدرًا للأخذ والاستزادة فحسب، لقد امتحنا كثيرًا؛ كظم الغيظ، استغلال الوقت، ضبط النفس، الصبر والنفس الطويل، والتعامل مع الاختلاف، والخلوة والتفكّر بعيدًا عن ضجيج الحياة.

أنتِ باجتيازك لكل ذلك ستضعين لنفسك علامة على مدى سطحيتك أو عمقك في هذه الحياة، والأهم يقينك وإيمانك وصبرك، فمن قال بأننا بذلنا حتى ذبلنا، فلا والله فنحن في البذل أقوى ونحن في البذل أنقى، و نحن في البذل أقرب وهل سوى قربه ورضاه تعالى نريد فنحن له ونحن له راجعون.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق