إشراقات سياسية

“خطيئة ” غوتيريس و”صفعة” ريما خلف

 

عن “عربي21”- علي سعادة
تفاءلنا خيرا بانتخاب أنطونيو غوتيريس في منصب الأمين العام للأمم المتحدة لأنه كان سيريحنا من “قلق” بان كي مون المتواصل في كل صغيرة وكبيرة تحدث في منطقتنا العربية، لكن تفاؤلنا هذا قادنا إلى الوقوع في مطبات “سكة الندامة” وفي براثن “القلق” من جديد، فالرجل منذ أن تسلم منصبه اكتفى بدور “الحانوتي” الذي يتولى مهمة إحصاء الجثث، بدلا من القيام بدور رجل الإطفاء والإنقاذ.

في تاريخها الطويل، رغم كل سلبيات المنظمة الدولية، تقف الأمم المتحدة تحت إدارة غوتيريس عارية لا تستر عورتها حتى ورقة التوت التي سقطت مع سحب تقرير لمنظمة “الاسكوا” الذي يدين “إسرائيل” بالعنصرية.

الجهة الوحيدة التي أبدت ارتياحها وفرحتها بسحب التقرير كانت “إسرائيل” التي اعتبرت استقالة الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا) الدكتورة ريما خلف من منصبها “خطوة في الاتجاه الصحيح”. وبدت ريما خلف الهنيدي، المولودة عام 1953 في الكويت، ومنذ أن تسلمت منصبها تحت نيران الإعلام والدبلوماسية الإسرائيلية، بعد أن اقتربت من ملفات “محرمة” بالنسبة لسلطات الاحتلال.

خلف سياسية واقتصادية معروفة بأدائها المهني والمتوازن، ولا يمكن تجاوزها بسهولة، تحمل اسم زوجها رجل الأعمال هاني الهنيدي، واسم والدها المهندس محمد خلف الذي تولّى الوزارة مرتين مطلع السبعينيات. حصلت على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1976، والدكتوراه في علم الأنظمة من جامعة ولاية بورتلاند الأمريكية عام 1984.

وشغلت عددا من المناصب الرفيعة في الأردن، من بينها منصب وزيرة الصناعة والتجارة عام 1993 ووزيرة التخطيط عام 1995 ونائبة رئيس الوزراء عام 1999.

وخلال رئاستها الفريق الوزاري الاقتصادي، قادت مسيرة إصلاح الاقتصاد وتحديثه وتنمية القدرات البشرية والحدّ من الفقر ودعم شبكة الأمان الاجتماعي.

وانتقلت خلف بعد ذلك للعمل في منظمة الأمم المتحدة، إذ عملت مساعدة للأمين العام للأمم المتحدة ومديرة إقليمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2000 وبقيت في منصبها حتى عام 2006، وأطلقت مشاريع لتعزيز الحكم الرشيد وحقوق الإنسان والتنمية البشرية في البلدان العربية.

وفي هذه الفترة أنجزت، بمساعدة عدد من الخبراء العرب، مجموعة تقارير حول “التنمية الإنسانية العربية” وصدر التقرير الأول عام 2002 والذي تحدث عن النواقص الأساسية في العالم العربي وهي الحرية وتمكين المرأة والمعرفة، ثم صدر عام 2003 التقرير الثاني تحت عنوان “بناء مجتمع المعرفة”.

وحصل التقرير الثالث عام 2004 بعنوان “نحو الحرية في العالم العربي” على جائزة “الملك حسين للقيادة الإنسانية”.

نالت خلف أوسمة دولية منها جائزة الأمير كلاوس، وجائزة الملك حسين للقيادة، كما أدرجت صحيفة “فايننشال تايمز” عام 2009 اسمها بين أشهر 50 شخصا رسموا ملامح العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وحازت أيضا جائزة جامعة الدول العربية للمرأة العربية الأكثر تميزا في المنظمات الدولية عام 2005.

وساهمت خلف في المنتديات الإقليمية والدولية المعنية بالحوكمة العالمية والتنمية في البلدان العربية، وشاركت في عدد من اللجان الدولية، منها اللجنة الرفيعة المستوى لتحديث إدارة مجموعة البنك الدولي ما بين عام 2008 و2009.

نشطت خلف خلال مسيرتها المهنية في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، وعملت على تحقيق العدالة والحرية والتنمية في الوطن العربي، وخلال عملها في المنظمة الأممية حرصت على بلورة المبادئ التي تؤمن بها، فأطلقت “سلسلة تقرير التنمية الإنسانية العربية”.

في تلك الفترة عملت خلف باحثة زائرة في جامعة “هارفارد” لربيع 2009-2010.

ومنذ عام 2010 تولت منصب الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) في بيروت، وهو المنصب الذي استقالت منه أخيرا.

وحين عينت في منصبها من قبل الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون، أكد بيان للمنظمة الدولية أن “خلف ستضيف إلى المنصب الجديد بما تتمتع به من خبرة في الأمم المتحدة ومهارات إدارية مزيجا من العاطفة العميقة والمعرفة للمنطقة بما تحمله من تحديات وفرص”.

ومن منطلق المبادئ التي تؤمن بها، فضلت خلف الاستقالة من منصبها بسبب ضغوطات لسحب تقرير دولي يتهم “إسرائيل” بممارسة اضطهاد للشعب الفلسطيني يرقى إلى نظام الفصل العنصري، واحتجاجا على رضوخ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوترتيس للضغوط الإسرائيلية.

وكُلّف بكتابته خبيران بارزان تعاونا مع موظفين في “الإسكوا” هما فيرجينيا تيللي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة جنوب إلينوي-كاربونديل، وريتشارد فولك، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وأستاذ فخري في القانون الدولي في جامعة برنستون.

وأصرت خلف على ما توصل إليه التقرير من أن “إسرائيل” أسست نظام فصل عنصري يهدف إلى تسلّط جماعة عرقية على أخرى، وقالت في مؤتمر صحفي ببيروت إن الأدلة التي قدمها التقرير قطعية، وإن الواجب يفرض تسليط الضوء على الحقيقة.

ورأت خلف أن أي حل حقيقي يكمن في تطبيق القانون الدولي وتطبيق مبدأ عدم التمييز وصون حق الشعوب في تقرير مصيرها وتحقيق العدالة، واعتبرت أنه ليس بالأمر البسيط أن تستنتج هيئة من هيئات الأمم المتحدة أن نظاما ما يمارس الفصل العنصري أو “الأبارتايد”.

وأوصى تقرير “الإسكوا” بإعادة إحياء لجنة الأمم المتحدة الخاصة بمناهضة الفصل العنصري، ومركز الأمم المتحدة لمناهضة الفصل العنصري اللذين توقف عملهما عام 1994 عندما اعتقد العالم أنه تخلص من الفصل العنصري بسقوط نظام “الأبارتايد” في جنوب أفريقيا.

وقالت خلف في بيان استقالتها: “أدركت أنني أنا أيضا لا خيار لي. أنا لا أستطيع أن أسحب، مرة أخرى، تقريرا للأمم المتحدة، ممتاز البحث والتوثيقِ، عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. غير أنني أدرك أيضا، أن التعليمات الواضحة للأمين العام للأمم المتحدة لا بد من أن تنفذ. ولذلك، فإن هذه العقدة لا تحل إلا بأن أتنحى جانبا وأترك لغيري أن يقوم بما يمنعني ضميري من القيام به. وإنني أدرك أنه لم يبق لي في الخدمة غير أسبوعين، لذلك فاستقالتي هذه لا تهدف إلى الضغط السياسي عليك. إنما أستقيل، ببساطة”.

غوترتيس أعلن أن “التقرير لا يعكس آراء الأمين العام، وما ورد فيه إنما يعكس فقط (آراء) هؤلاء الذين قاموا بكتابته. ونحن نعرفهم”.

وقبل سنوات من استقالة خلف طلب السفير الإسرائيلي لدى منظمة الأمم المتحدة رون بروس من بان كي مون، إيقاف خلف وطردها بسبب “مواقفها المعادية لليهود”.

فيما طالب السفير الإسرائيلي الحالي لدى الأمم المتحدة داني دانون من جوتيريس، بالتنكر لتقريرها الأخير عن العنصرية الإسرائيلية الذي يسعى إلى “تشويه سمعة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، على حد زعمه.

المجتمع الدولي انقسم بين المؤيد والمعارض، لخصوصية الجهة الصادر عنها التقرير، حيث يعد التقرير بمثابة مرجعية بحثية ودراسة رفيعة المستوى وفق معايير نظام القانوني الدولي.

“المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان”، أعرب عن أسفه لاستقالة خلف، معتبرا أن المنظمات الأممية خسرت واحدة من المدافعات الشرسات عن الحريات وحقوق الإنسان.

وطالب المرصد الحقوقي، المجتمع الدولي بالوقوف إلى جانب الأمم المتحدة التي تتعرض لضغوطات عديدة وواسعة أدت لاستقالة واحدة من أبرز الشخصيات المستقلة فيها، مشيرا إلى أن استقالة خلف تعد صفعة للعدالة الدولية.

من جانبها اعتبرت حركتا المقاومة الإسلامية “حماس”، و”الجهاد الإسلامي”، في قطاع غزة، قرار سحب تقرير “الإسكوا” الخاص بجرائم “إسرائيل” بحق الشعب الفلسطيني، “خطيئة كبرى وانحيازا فاضحا”.

التقرير لم يكن يمثل ريما خلف وحدها وإنما لجنة دولية واسعة ضمت 18 دولة عربية اتفقت على أن “إسرائيل أسست نظام أبارتهايد (فصل عنصري) يهيمن على الشعب الفلسطيني بأكمله”.

ولم تجد الحكومة الإسرائيلية سوى إطلاق أحكام مسبقة مست محتوى التقرير نفسه ووصفته بـ”الدعاية النازية التي كانت معادية للسامية”. وقالت الولايات المتحدة الحليف الرئيسي لـ”إسرائيل” إنها تشعر بـ”الغضب من التقرير”.

ويبدو أن الغضب جاء بنتيجة مع غوتيريس الذي حاول تبرير سحب التقرير بأنه جاء بناء على الإجراء في نشره على موقع رسمي للأمم المتحدة دون الرجوع إليه وليس على المحتوى، مع أن التقرير لم يكن سرا عسكريا وعمل عليه خبراء ومهنيون على درجة عالية من الاحترافية.

لكن ريما خلف حازت على السمعة الطيبة والجرأة في الموقف واحترام الذات، رغم سحب التقرير الذي وصل إلى محطته المرسومة إلية وهو إطلاع العالم بأسره على محتواه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق