ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

علي علان : مهندس قسامي أدمى قلوب الصهاينة

 

في الذكرى الرابعة عشر لاغتيال القائد القسامي علي علان

خاص – إشراقات

من هو علي علان ؟

ولد شهيدنا البطل علي علان في مخيم عايدة للاجئين إلى الشمال من مدينة بيت لحم في الأول من شهر كانون الثاني من العام 1976 ، وتعود جذور عائلته إلى بلدة المالحة في مدينة القدس المحتلة ، درس في مدارس المدينة لينتقل بعدها إلى الدراسة في جامعة القدس المفتوحة قبل أن يلتحق بشركة كهرباء القدس في محافظة بيت لحم في حياةٍ بدت وكأنها طبيعية هادئة ، رغم العشق الذي كان لا يخفيه المهندس الصامت لبلده وأرضه التي شُرّد عنها وهّجر منها عنوة ، تزوج من قريبته ” أمل ” وأنجب منها ” معاذ ” الذي لم يهنأ برؤيته يكبر بين أضلعه وفي زوايا منزله الذي أصبح أثراً بعد عين.

بدأت رحلة الشهيد في خضمّ معركة لا تتوقف مع الاحتلال وانتهاكاته بحق الإنسان الفلسطيني ، فكانت رحلة الاعتقال الأول في العام 1994 حينما أوقفه الجنود على إحدى الحواجز القريبة من بيت لحم ليكتوي بعدها بنار السجن لأربعة أعوام كانت بداية الانطلاق لمرحلة جديدة أسّس لها شهيدنا بعد مرحلة من الصمت الذي أودعه في مسيرته الجهادية ، حيث لم يكن غيابه وعزلته عن أقربائه وأصدقائه إلا مرحلة إعداد وتدريب.
بدأ اسم المهندس يلمع في الأذهان حينما تواردت أنباء من مدينة نابلس باغتيال قوات الاحتلال للمهندس القسامي أيمن حلاوة في الوقت الذي كانت تخطط فيه قوات الاحتلال ايضاً لاغتيال المهندس الذي كان برفقته في السيارة ، لم يكن يومها في وارد التفكير أن علان هو المطلوب الأخطر والآخر الذي نجا بأعجوبة لمّا أصابته الصواريخ الصهيونية بإصابات خطيرة بيد أن للمهندس حياة يملؤها العشق والتضحية وإعلان للرعب في قلوب الصهاينة ، ليصبح المطلوب الأول والمطارد الذي بدأ يخطّ ملامحه الخاصة وتفاصيل فنونه الجهادية على صفحات المجد الفلسطينية وفي سطورها الأولى.

 

ملاحقة واستهداف العائلة

 

وكعادتها لم تترك قوات الاحتلال طريقاً في اللحاق بالمطارد الذي بدت بصماته واضحة على أكثر من عملية جهادية واستشهادية في أنحاء متفرقة من الوطن فاستهدفت عائلته مرات ومرات ، ففي شهر آب من العام 2002 داهمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال منزله الذي تسكنه أربع أسر في مخيم عايدة شمال بيت لحم وأخرجوا جميع أفراد العائلة الذين يزيد عددهم عن أربعين شخصاً وقامت باحتجازهم والتحقيق معهم ميدانياً ولم يفلحوا بالوصول إلى علي أو حتى معرفة ما يمكّنهم من ذلك ، وساوموا زوجته لمعرفة مكانه أو هدم المنزل ، فما كان منهم إلا أن عرفوا الجواب كما عهدوه ، وفي لحظات أصبح البيت ركاماً فوق ركام وأثراً بعد عين.

بعد هدم المنزل قامت قوات الاحتلال باعتقال ” أمل علان ” زوجة المطارد لتترك خلفها طفلها الذي لم يكمل العام حينها حيث جرى نقلها إلى زنازين المسكوبية وأخضعتها إلى تحقيق قاسٍ متواصل استمر لأكثر من شهرين وجرى نقلها لاحقاً إلى سجن الرملة ، فيما جرى خلال تلك الفترة اعتقال العشرات من أقرباء وأصدقاء المطارد زاد عددهم عن ثلاثين من بينهم والده وأشقاؤه الثلاثة وامتدت المداهمات فيما بعد لكل منازل العائلة والأقرباء وتجاوزت حدود محافظة بيت لحم لتطال منازل العائلة والمقرّبين في مدن أخرى شملت رام الله ونابلس والخليل بحثاً عن المهندس المطارد أو طرف خيط أو بصيص من الأمل ، غير أن الأمل وبصيص النور وعزيمة الصبر التي  كان يتحلى بها علان ونَفَسه الطويل جعل من بوصلته إيقاع أكبر عدد من الصهاينة وجندلتهم فلم تكن تلك التضييقات ولا قسوة الملاحقة والتشديد إلا دافعاً آخر ليثخن في عدوه الجراح.

محاولات اغتيال فاشلة

 

لم تكن محاولة الاغتيال للشهيد علي علان يوم كان برفقة الشهيد القسامي أيمن حلاوة هي الأولى ولم تكن الأخيرة ، فلم تكن قوات الاحتلال تألو جهداً للنيل من الشهيد حيث جعلت منه هدفاً يشغل بال الساسة الصهاينة وقادتهم ، فلقد تعرض لعدة محاولات كان أبرزها حينما كان برفقة الشهيد مهند الطاهر حيث قام الشهيد القسامي علي الحضري بتغطية انسحابهما ثم ارتقى شهيداً دون أن يستطيع الاحتلال الوصول إلى علان والطاهر ، وحاولت ثانيةً قوات الاحتلال النيل من شهيدنا في محافظة الخليل وثالثةً في مدينة بيت لحم حيث فجّرت قوات الاحتلال هاتفاً عمومياً لما ظنّت أن علان اقترب منه ، فيما كان في الموقع شخص آخر يحمل ملامح علان وارتقى ” شبيه ” علان ليتكرر فشل الاحتلال الذريع في الوصول إلى المهندس الخطير الذي كانت عملياته الجهادية تتصاعد يوماً بعد آخر.

تجهيز الاستشهاديين

 

برع شهيدنا ورغم حملة الملاحقة الواسعة المشددة في تجهيز وإيصال الاستشهاديين الذين وصل آخرهم محمد هزاع الغول في الثامن عشر من حزيران من العام 2002 من محافظة طوباس من شمال الضفة المحتلة إلى مدينة القدس المحتلة ليفجر بحزامه الناسف باصاً للصهاينة المغتصبين على مقربة من مغتصبة ” جيلو ” جنوبي القدس المحتلة ، العملية التي استهدفت باص رقم ” 32 “و أدت إلى مقتل 19 صهيونياً وجرح 74 آخرين غالبيتهم من الجنود أثارت غضب الصهاينة ورئيس وزرائهم حينها أرئيل شارون الذي وصل مسرعاً إلى مكان العملية وهدد باجتثات حماس وتصعيد عمليات القمع والاعتقال ، حيث كانت عملية الغول قد شكلت فشلاً للاحتلال إذ أنها لم تكن بعيدة عن عملية  “السور الواقي ” التي ثبت فشلها أمام ضربات القسام. عاد شارون مجدداً إلى أطراف وتخوم بيت لحم وعلى مقربة من مخيم عايدة القريبة من مغتصبة ” جيلو ” وذلك بعد أيام من تنفيذ المجاهد القسامي نائل أبو هليل عملية استشهادية في قلب القدس متجاوزاً حواجز وإجراءات الاحتلال المعقدّة وموقعاً أكثر من عشرة قتلى فدفعت الاحتلال لاقتحام بيت لحم مجدداً وعاد شارون ليطلق تهديداته بأن علي علان ” مطلوب حياً أو ميتاً ” فكان الاجتياح الكبير لبيت لحم في الرابع والعشرين من تشرين ثاني في العام 2002 الذي طال مدينة بيت لحم بأكملها بحثاً عن علي علان المطارد الذي دبّ الرعب في قلوب الصهاينة وأمسى كابوساً يؤرقهم ليل نهار ويقض مضاجعهم.

 

وترجل الفارس المهندس

 

لم يكن فجر يوم الثلاثاء الثامن عشر من آذار من العام 2003 يحفل بالهدوء ، ولم تكن الشمس لتشرق يومها إلا وقد حملت إلى الفلسطينيين أخباراً لم يكونوا يودّون سماعها ، فالفارس البطل الذي كانوا ينتظرون سماع أخبار عملياته الاستشهادية والجهادية التي تقضّ مضاجع الاحتلال لم يكونوا قد تأهبوا جيداً لسماع خبر استشهاده ، ليس لأنه كان من المستحيل غير أنهم كانوا يطربون لسماع وقع الانفجارات والعبوات التي كان يصنّعها علان لحناً قوياً بحنكته وخبرته. كان الثامن عشر من آذار يحمل خبر مداهمة ليلية معتادة في قرية مراح رباح إلى الجنوب من بيت لحم إلا أنه تحول إلى فاجعة أدمت قلوب محبي المقاومة وعشّاقها في فلسطين ، فلقد قادت الصدفة الاحتلال وعلي علان للاشتباك العنيف ، ليرتقي علان شهيداً بعد أن أدمى قلوبهم وزرع الحسرة فيها حتى في اشتباكه الأخير وملحمته الأخيرة إذ أوقع في صفوفهم عدداً من القتلى والجرحى فيما أقرّ الاحتلال بمصرع رقيب وإصابة آخر ، قوات الاحتلال التي لم تكن تعلم أن المقاوم الذي اشتبك معها هو علي علان ، وأخفت خبر استشهاده إلى حين أقرّت في وقت لاحق بأن الصدفة قادت جنودها لاغتيال القائد القسامي المطارد علي علان فاعتقلت والده ووالدته وشقيقه للتأكد من ذلك. على إثر ذلك قامت قوات الاحتلال التي كانت تنفذ حملة مداهمات في بلدة مراح رباح إلى هدم المنزل الذي كان يتحصن به شهيدنا بواسطة صواريخ مضادة للدبابات واعتقلت ثلاثة شبان إضافة إلى صاحب المنزل واعتبرت مصادر صهيونية أمنية بأن قتل علي علان بمثابة إنجاز كبير حيث جرى تكريم الفرقة الصهيونية التي نفذّت عملية الاغتيال بحق أخطر المطلوبين لها كما وصفته طيلة فترة مطاردته واعتبرت حينها أنها قضت على خبير حماس العسكري في بيت لحم وصانع قنابلها ومجهّز استشهادييها.

رحل علي علان ، لكن كلماته التي طالما رددها وتغنّى بها كانت هي آخر ما ختم به حياته ، لقد كان يردد بين الحين والآخر نشيده المفضّل الذي عاشه واقعاً جندياً وقائداً حتى الرمق الأخير ، النور كيف ظهوره إن لم يكن دمنا الوقود والقدس كيف نعيدها إن لم نكن نحن الجنود ، رحل علان عن ثمانية وعشرون عاماً فيما كان الاحتلال يحمّله مسؤولية مقتل خمسين من جنوده ومغتصبيه ، رحل المهندس والمطارد بجسده لكن الطريق التي رسمها لن تضلّ عنها قلوب الثائرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.