ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الشيخ ناجي صبحة عطاء دعوي حافل 

 تزخر أرض فلسطين بكثير من الهامات التي تجلّى حب الوطن في صلب حياتها فأفنت من أجله الأعمار والأرواح ، وقدّمت لأجله الغالي والنفيس في معركة التحرر والدفاع عن الأرض والنفس ، وأبدعوا في مجالات عدّة وخاضوا غمار السجون وذاقوا مرارة الظلم فأنشدوا الأشعار وأرخصوا الأرواح في ميدان التضحية والوفاء فارتفع ذكرهم بين العالمين ، كان منهم الشيخ الراحل ناجي صبحة ، وكانت لنا وقفات مع سيرة حياته وعطائه الحافل .

 

ولد الشيخ ناجي مصطفى عبد الله صبحة في الأول من آب عام 1937م في بيت متواضع معروف بتدينه في بلدة عنبتا شرق طولكرم في ظل أجواء الثورة الفلسطينية ضد الاستعمار الإنجليزي ليعيش المعاناة منذ ميلاده ، تلقى تعليمه الأساسي في عنبتا وأكمل تعليمه الجامعي في جامعة دمشق فحصل على شهادة الليسانس في التاريخ عام 1964م وبعد عامين تقدم لدراسة الماجستير في الجامعة الأردنية غير أنه انقطع عن الدراسة إبان نكسة العام 1967 ولكن همته العالية التي كان يتحلى بها جعلته يواصل تعليمه فيما بعد ليحصل على الماجستير من جامعة النجاح في نابلس وهو في عمر الستين حيث كان ذلك في العام 1997م.

عمل مدرساً من العام 1954م واستمر بهذه المهنة الجليلة حتى العام 1970 إلى أن فُصل من قبل الاحتلال بعد اعتقاله ، ولكنه لم يستطع العيش بعيداً عن العلم فافتتح مكتبه لبيع الكتب الإسلامية والعلمية ليظل قريباً من منهل العلم والمعرفة ، وفي العام 1982 بدأ العمل محاضراً في جامعة النجاح وبقي فيها عشرين عاماً.

 

الشيخ وتجربة الاعتقال

اعتقل صبحة للمرة الأولى عام 1968م إبان النكسة والاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة وتكرر اعتقاله لمرات ثلاثة مع حلول العالم 1973 ليعاد اعتقاله عام 1996م رغم تتردي وضعه الصحي حينها حيث كان يعاني من أمراض في القلب ، كما جرى اعتقاله لدى أجهزة السلطة الفلسطينية لمدة شهرين في العام 1997.

 

عطاء دعوي

انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين وهو فتى في السادسة عشرة من العمر ومن بدايات هذا الانتماء عرف عنه اندفاعه وإخلاصه وتفانيه في العمل فكان أحد أبرز قيادات الإخوان في فلسطين ، وكانت بلدة عنبتا مثالاً متقدماً للعمل الاخواني المميز على مستوى الضفتين الشرقية والغربية.

وتدرج أبو أسامة في المراتب التنظيمية حتى وصل إلى عضو مجلس الشورى للتنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين حتى وفاته ، ولقد كانت حياته رحمه الله حافلة بالعمل الدؤوب لخدمة الإسلام وحمل دعوته والتضحية بالغالي والرخيص في سبيل ذلك فكان المؤسس الأول لدعوة الإخوان في محافظة طولكرم ولم يبخل بوقته ولا بجهده في الدعوة إلى الله مستغلاً كل مناسبة وكل منبر لإيصال كلمته.

 

مفكر ومبدع

كان رحمه الله مثالاً للمفكر الإسلامي المبدع صاحب الثقافة العالية، ولم يكن يبخل بوقته وجهده في المشاركة في كل المناسبات ومختلف المنابر ، فكانت ندواته ومحاضراته القيمة تجذب السامع بقوة لما فيها من عمق وأصالة وقوة وجرأة في طرح الأمور، فكلماته تخاطب القلب والعقل ، وهو رجل أدب وشعر فكان شعره ينبض بألم الأمة ومعاناتها وقضاياها ويبشّر بالمستقبل الموعود والنصر المنشود.

 

 

آثاره العلمية

لقد كان الراحل الكبير يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الأمة الإسلامية وما فيه من وقفات وصفحات في سجل المجد والفخار ولذلك حرص على تقديم صفحات تاريخ الأمة إلى أبنائها بأسلوب متحضر نافع مفيد وذلك من خلال كتابه القيم “الأجندة الإسلامية” (مفكرة الأيام الإسلامية)، ولم تغب قضية فلسطين والقدس عن فكره فألف كتاب “القدس المدينة المباركة” وكتاب “شهداء الصحابة في فلسطين” الذي يبرز ارتباط الأمة قديما عبر تاريخها المديد بهذه الأرض المباركة الطيبة، وله أيضا ديوان شعر مطبوع بعنوان جراحات إضافة إلى العديد من القصائد غير المنشورة التي كثيرا ما كان يلقيها على مسامع محبيه في المناسبات الدعوية والمهرجانات وكان آخرها قصيدة رثاء ألقاها في مهرجان تأبين الشيخ الشهيد المجاهد أحمد ياسين.

 

 

عائلة مجاهدة

عرف القائد الراحل بتضحيته وعطائه منذ الصغر وخاض تجارب الاعتقال عدة مرات وهذا انعكس على بيته وأبنائه الذين رباهم على العمل والصبر والإخلاص، فواجهوا مرارة الاعتقال كثيراً، ففي سجن نفحة” كان يقبع نجله المجاهد القسامي محمد صبحة المحكوم بالسجن 15 عاما وأفرج عنه مؤخراً، كما جرى اعتقال نجله الآخر المجاهد أُسيد صبحة لثمان سنوات وكذا تحويله للاعتقال الإداري بعدها ، ولم تنج من الاعتقال الأم الصابرة المربية أم أسامة لإرغام أبنائها على الاعتراف.

 

كان داعية إصلاح ورجل المواقف

 قال فيه الشيخ الراحل حامد البيتاوي رئيس رابطة علماء فلسطين إنه كان عاملاً من عوامل الصحوة في فلسطين تعرّف على جماعة الإخوان المسلمين وربى إخوانه وأبناءه على هذا الفكر منذ خمسين عاماً ، وكان كاتباً ومؤرخاً وعابداً تقياً، ناضل وجاهد العدو الصهيوني عبر الكتاب والكلمة ، ودعا للجهاد فاعتُقل عدة سنوات واعتقل أبناؤه أيضاً.

كان رحمه الله رجل إصلاح في منطقته ومن مؤسسي لجان الزكاة ومن لجان إعمار المساجد، وكان بمثابة صمام الأمان بين الفصائل الفلسطينية.

ووصفه زميله الدكتور خضر سوندك محاضر الشريعة في جامعة النجاح وعميد الكلية سابقاً أنه كان رجل للمواقف كلها، صادقاً في عهده مع الله، فكان مربياً حريصاً وأخاً محباً لإخوانه متفانياً في خدمتهم وصاحب رأي حكيم. 

 

وفاته

ودعت فلسطين رجلاً من رموز المقاومة والجهاد في فلسطين الداعية الشيخ الحاج ناجي مصطفى عبد الله صبحة من الرعيل الأول لحركة الإخوان المسلمين في فلسطين ، حيث خرجت جماهير طولكرم بالآلاف يوم السبت 29/5/2004 في وداع الداعية الكبير ناجي مصطفى عبد الله صبحة بمشاركة الآلاف من أبناء بلدته عنبتا ومحافظة طولكرم وممن استطاع تخطي الحواجز الكثيرة التي أقامها الصهاينة على مداخل البلدة والتي تعيق القادمين من نابلس وجنين وطولكرم، وبحضور رموز الحركة الإسلامية في شمال فلسطين.

توفي الداعية الكبير الشيخ ناجي صبحة بعد مرض عضال ألمّ به حديثاً، ولم يمهله طويلاً، في مستشفى نابلس التخصصي وقد نقل جثمانه الطاهر إلى قرية عنبتا القريبة من مدينة طولكرم مسقط رأسه حيث وُوري الثرى هناك.

وكانت قد ألمّت بالراحل أزمة مرضية قبل نحو شهرين، أقعدته الفراش وبدأت حالته الصحية بالتراجع بتسارع، وقرر الأطباء إخراجه للعلاج في الأردن نظراً لصعوبة حالته، لكن سلطات الاحتلال الصهيوني رفضت ذلك رفضاً قاطعاً، رغم أن عائلته أوقفت محامين قدموا التماساً لسفره مدعمين ذلك بتقارير طبية، لكن الكيان الصهيوني أصرّ على رفض السماح له بالسفر، بحجة أن ابنيه معتقلان في السجون الصهيونية بتهم أمنية كبيرة ، ومع تفاقم وضعه الصحي أدخل إلى مستشفى نابلس التخصصي، وخضع للعلاج المكثف، إلى أن فارق الحياة فجر اليوم، وقد نعته حركة الإخوان المسلمين وحركة حماس شهيداً فلسطينياً ضحى بعمره ووقته في سبيل الدعوة الإسلامية ونصرة القضية الفلسطينية.

 

 

من كلمات الراحل
نورٌ في قلب العتمة

الطَّعـمُ الـمـرُّ ألِفْنـــاهُ            والطَّعـمُ الـحـلـوُ نسـيـنـاهُ

والشّوكُ القـاسـي أدمـانــا       والصَّخرُ الصُّلْبُ مضغْنــاه

والقفصُ الضـيِّقُ مأوانـا    والـوقتُ الصَّعبُ قضـيـنـاه    

والظّلـمةُ صــارتْ دائمةً         والنّورُ نسِيـنـا أسْنـاه   

لـولا القــرآنُ نرتِّلُهُ              آنًا أو نسمعُ معـناه  

أو نقـرأُ وِرْدًا فـي غَسَقٍ        لفقـدْنـا الـدّربَ وتهـنـاه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.