تدوينات

الزائر المرهوب

خلال سفري في هذه الحياة وفي الآونة الأخيرة كثيراً ما يطرق فكري زائر عادة ما يأتي على حين غرة، زائر الكل يخشاه ويرتجف منه، وثلة قليلة هي التي ترى به حبيب يأتي على فاقة، الموت ..الموت والذي وصفه الله تعالى لشدته وروعته بأنه مصيبة فقد قال تعالى في كتابه العزيز: (فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) [سورة المائدة: آية 106] . الموت مقطع الأوصال وموطن الأحزان ومفرق الأحباب، يراودني كثيرا في الفترة الأخيرة لدرجة كدت فيها أسمع وقع خطواته، وأتساءل لماذا له هذا الوقع في قلوب البشر وله كل هذا الحزن عند كل المخلوقات؟!
ووجدت أن السبب الذي يكدر خاطر هذا الكائن البشري الضعيف ويرهبه بهذه الدرجة من هذا الزائر: يكمن في انقطاع مرغوب أو فوات مطلوب، فالانقطاع عن المال والأهل والولد والخلان وما في كل هذه الحياة من مباهج وشهوات وطموحات وآمال، فنحزن لفراقها ونتألم لقطع الصلة بيننا وبين التمتع بها.
أو فوات مطلوب وفيه أنّ كل واحد منا عليه حقوق وواجبات ويختلف جهد كل فرد منا واستعداده في سبيل تحقيقها وآدائها، حتى إذا جاءت سكرة الموت بالحق تذكر الغافلون واستيقظ النائمون ومع أول سكرة تذهب معها كل لذة تذوقناها في مرغوباتنا، إذ يقول تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ) [سورة المؤمنون: آية99]، ونستيقظ من غفلتنا على سياط الحسرة والندامة على ما أضعنا من مطلوب لتبدأ مرحلة التمني والرجوع لنتدارك ما فاتنا من مطلوب وتحقيق أدنى جزء منه ولكن دون جدوى فقد وقع المرهوب وسبق السيف العذل وفات الأوان فيتحقق قول الله فينا: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [سورة المؤمنون: آية100].
وهذه المرغوبات التي أنفقنا أعواما طويلة في تحصيلها ما هي إلا لذة وقتية آنية كأننا لم نتذوقها أبداً مجرد خروج أول نفس لنا وزيارة هذا الزائر المرهوب لنا وتبقى حسرة فوات المطلوب ملازمة لنا ليكون الألم أضعافا، وبدر إلى ذهني بهذه اللحظات من التأمل والتفكر في حال هذا الزائر أنّ الإنسان إذا ما شغل بالمطلوب حقق المرغوب والمطلوب معاً بل إن حياته تمتد حتى ما بعد الممات، لأن الإنسان لا محال هالك ولو قضى ألف سنة بل آلاف السنين في التمتع بالمرغوبات فهذا لا يمنع تنغيص عيشه ولو للحظات تنسيه لذة سنين دامت وأي لذة تدوم سنين والإنسان أساسا يتقلب في كبد؟!، فقد قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) [سورة البلد: آية4]، ولذة المرغوب سرعان ما تنتهي بأدنى مصاب يصيب هذا الجسد الهالك، وتبقى روحه تتقلب بنعيمها بقدر ما حقق من مطلوب منه على أكمل وجه فالإنسان إذا سعدت روحه حلقت واستعلت على أي ألم جسدي، وتستمر حياة المرء بحسب الشيء الذي يسخر نفسه له؛ فإن سخرها للذة عابرة أو شهوة عارمة ذهبت نفسه بذهاب هذه اللذة وتلك الشهوة، أما إن سخرها لمبدأ سام أو فكرة راسخة استمرت حياته باستمرار هذا المبدأ وتلك الفكرة لأنها مطلوب خُلق الإنسان أساسا لتحقيقه وعن مدى استعداده واهتمامه به يسأل، وحتى بعد زيارة هذا الزائر المرهوب لا تنقطع حياته لأن حياته إنما بهذه الفكرة المطلوبة تستمر فتجد أجيالاً متلاحقة تسير على أثره تحمل فكرته وتعمل على ترسيخ مبدأه الذي من أجله كان يحيا فتستمر حياته بقدر استمرار هذا المطلوب من مبدأ أو فكرة، وبهذه الحال يبقى الإنسان مستعداً للقاء هذا الزائر من غير وجل أو رعب، أما الإنسان إذا ما عاش من أجل المرغوب يبقى في حسرة وألم وخوف على فقدانه لأن نفسه وروحه بل وجسده لا تتعدى هذه الدائرة والتي سرعان ما تزول بأول مقدمة من مقدمات هذا الزائر من مرض أو ضعف، فتجده فقد بريق عينيه ونشوته لأن مرضا خفيفا كالسعال كفيل بتفويت تمتع الإنسان بأي مرغوب في هذه الحياة فما بال المرء بزائر كالموت بشدته وكربته، بقي على الإنسان العاقل أن يسعى لتحقيق المطلوب لأن مدار الحساب والسؤال إنما يكون عليه وعن مدى الاستعداد له، لأن المرغوب لكل نفس حظها منه تأخذه بقدر وإن اختلفت النسب من شخص لآخر ولا يحاسب على قلته أو فقده؛ إذ لا جهد له فيه، أما المطلوب فعليه أن يبذل قصارى جهده لتحقيقه وتأديته على أجمل هيأة وأحسن وجه ليأخذ ثوابه في الدنيا والآخرة بحسب استعداده وبذل جهده في سبيله.
ألا من متدبر، ألا من متفكر، ألا من مشمر عن ساعد الجد والجهد؟!!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق