أهم العناوينتقارير

منى وبسام السائح.. حكاية الصبر على البلاء والثقة بالفرج

بعيدًا عن أرض الوطن، وفي نهاية 1980 ولدت منى أبو بكر على أرض الكويت، لعائلة ملتزمة عُرف عنها الخُلق الطيب وحب العلم، نشأت منى بين عبق رائحة الكتب وأثير قصاصات الورق، فأمضت جزءًا من  طفولتها مختبئةً في العُلية تلتهم في شغف كتب تاريخ الأرض والقضية، في المرحلة الثانوية انتقلت مع أهلها إلى الأردن ومن ثم عادت العائلة بعد ذلك إلى وطنها الأم لتستريح في ظلال مدينة قلقيلية في الضفة الغربية.

تبدأ الحكاية المثيرة في حياة منى إثر ارتباطها بالشاب الفلسطيني بسام السائح من مدينة نابلس، فبعد إنهائها لدراستها في تخصص الإدارة التحقت بالعمل في مؤسسات فلسطينية عاملةٍ في مجال الأسرى وحقوق الإنسان، فعملت في مؤسسة أنصار السجين، وفي مؤسسة نفحة، وشاءت الأقدار أن تجمعها بالصحفي بسام السائح مرات عديدة، حتى بدءا مشوار حياتهما معًا قبل نهاية عام 2007.

بعد أقل من أسبوعين على زفافهما اعتقلت الأجهزة الأمنية بسام وحولته إلى سجن أريحا المركزي، ولم تتوان عن شبحه وتعذيبه وضربه، حتى أنهكت قواه وأضعفت صحته، فتم تحويله إلى المشفى مرات عديدة، وتقول منى أن بسام “دخل السجن على قدميه وخرج على عكازات”، رغم هذا التدهور الصحي فإن الأجهزة الأمنية لم تترك بسام وشأنه بل واصلت اعتقاله المرة تلو الأخرى حتى انحدر وضعه الصحي بشكل لا يمكن السكوت عليه فتم تحويله للمشفى الحكومي، حينها قال الطبيب لعائلة بسام: “ابنكم معه سرطان في العظم”.

اليوم يمر على زواج منى ما يزيد عن الثماني سنوات، لم تكتمل لهما سنة واحدة بدون سجن ولا فراق ولا ألم، تتابعت عليهما اعتقالات الاحتلال والسلطة، ورغم ذلك تجاوزاها بصمت المحبين ودفئهم، واستمرا في محاولة الحصول على تصاريح أمنية لعمل فحوصات في مستشفيات إسرائيلية تارة، أو في مستشفيات خارج فلسطين تارةً أخرى، لكن بسام ظل ممنوعًا أمنيًا بالنسبة للاحتلال حتى لو للعلاج.

هذا العام حمل منعطفًا جديدًا، للمرة الأولى تغادر منى بسام، ويظل بسام وحيدًا، يمر عليه رمضان ويتبعه العيد تلو الآخر، ويظل بسام يلاحق حلمه في لقاء منى من محكمةٍ لأخرى، ومن رسالةٍ صوتية لأخرى.

رحلة الاعتقال

نامت منى ليلتها تلك مؤرقةً تخشى على بسام من أمر لا تدرِ كنهه، ضربات الباب المفاجئة فجرًا أنبأتها بأن ما تخشاه قد يكون اعتقال بسام من قبل خفافيش الليل، ولم تتوقع لحظة واحدة أن الاعتقال سيكون لها، تقول منى: “في تلك الليلة كان بسام متعبًا جدًا، كانت قدمه منتفخة، وخشيت من تدهور صحته فرجوته أن نذهب للمشفى لكنه رفض، بعد منتصف الليل داهمت قوات الاحتلال بيتنا، وأبلغني الضابط أنني رهن الاعتقال”.

الثبات الذي تحلت به منى في تلك اللحظة فاجأها قبل أن يفاجئ زوجها، ربما هو الغضب الذي ارتسم على ملامح بسام محاولًا ثني الجنود عن اعتقال زوجته، حتى لو تحول الاعتقال ليغدو من نصيبه هو، قادت المجندة منى إلى عربة النقل وقبل أن تعصب عينيها ابتسمت لبسام قائلة: “استودعتك الله رب العالمين.. لا إله إلا الله”..ومن هناك نُقلت منى إلى مركز تحقيق الجلمة.

في تحقيق الجلمة سجلت ذاكرة منى الأحوال السيئة جدًا التي تعاني منها الأسيرة الفلسطينية، بأبسط الكلمات وصفته بـ “قبرٍ للأحياء”، انعدام مواصفات الحياة الإنسانية، الرطوبة الشديدة، غياب البطانيات، الزنازين الضيقة، وظروف التحقيق والتهديد النفسي، جميعها تتكالب لتخنق الأسيرات، تتحدث منى عن التحقيق فتقول: “يحاول المحققون استخراج المعلومات بكل الطرق، بالتهديد والوعيد، بمنع النوم، بالاستفزاز النفسي، بالشبح، ورغم وجود مجندة بشكل دائم أثناء التحقيق إلا أن تقدير اختلاف الوضع بين المرأة والرجل لا يوجد في السجون الإسرائيلية ككل، بل يتم استخدام نقاط الضعف لدى الأسيرات لكسر صمودهن، حيث تم تهديدي مرةً تلو الأخرى بمنعي من رؤية زوجي مرة أخرى، كما تم إبلاغي بأخبار كاذبة عن تدهور صحته ودخوله مرحلة الخطر، وتعرضه لجلطة في القلب إثر اعتقالي”.

بعد انتقالها إلى سجن هشارون لمست منى عن قرب حال الأسيرات الفلسطينيات، فانتشار الأمراض بين الأسيرات وغياب الرعاية الطبية، بل والإهمال المتعمد من قبل الإدارة وتقديم المسكنات المستمر بدلاً من العلاج، إضافةً للمشكلات المعيشية مثل انحدار مستوى الغذاء في السجن، وغلاء تكاليف مقصف المواد الغذائية “الكانتين” على الأسيرات وأهاليهن، يضاف لذلك تعنت إدارة السجن وسوء معاملتها للأسيرات وحرمانهن من أبسط حقوقهن، إضافةً لحملات التفتيش المستمرة، وتعتقد السائح أن تضامن المجتمع مع الأسيرات هو متردد ومؤقت، ومرتبط بمناسبات وظروف معينة مثل يوم الأسير، إضرابات الأسرى، تدهور وضع إحدى الأسيرات، أما في الأحوال العادية فحتى من قبل الأهالي لا يوجد تضامن جماعي كامل مع بناتهن.

وتروي منى بعض المواقف الجميلة التي أضاءت عتمة السجون، فهناك الأسيرة شروق دويات 18 عامًا من صور باهر، التي استقوت على جراحها وأصرت الوقوف لوحدها دون مساعدة، وبثت في نفوس الأسيرات القوة والعزيمة، وهناك الأسيرة أمل طقاطقة التي أصيبت بأربع رصاصات في جسدها إحداها في قدمها، ما زالت تسبب لها صعوبات في السير، لكنها رغم ذلك تنثر الأمل والإصرار في قلوب الفتيات، وترى منى السائح أن صغر سن الأسيرات لم يكن عائقًا لهن للوعي بالقضية الفلسطينية والانتماء العميق لهذه الأرض والدفاع عنها، وأن هذا الوعي انعكس بشكل مباشر على المجتمع فأصبح المجتمع يفتخر بالأسيرات ويدافع عن حقوقهن ويقدر نضالهن بدلًا من اعتبار اعتقالهن خطيئة.

للفجر بدايات

عاشت منى أيامها في المعتقل على رسائل بسام الصوتية وعلى رؤيته في المحاكم، وعلى الأمل بخروجها قريبًا، في كل محكمة كان يلوح لها بيديه ويقول: “مروحين، بإذن الله مروحين”، وفي رسائله الصوتيه كان يناديها “يا قمر الأحرار”، كان يبثها مشاعره وينقل لها أشواقه الخجولة، يطمئنها على صحته ويحثها على رعاية روحها في غيابه، ويشكو لها مرارة الحياة بعيدًا عنها.

في إحدى محاكمات الأسيرة المحررة منى، دخلت منى قاعة الحكم دون أن تجد بسام في انتظارها كعادته، بحثت عنه وطالبت برؤيته ورفضت البدء بالجلسة قبل وصوله، بعد قليل أقبل أمن المحكمة وأخبر القاضية أن بسام قد تم احتجازه، كانت تلك المرة الأولى التي تفقد منى أعصابها وتنهمر بالبكاء، ورغم مرارة الدمع أمام الأعداء إلا أن صدمة الخبر كانت أقسى وأشد، تتالت محاكم منى حتى شاءت الأقدار أن يُفرج عنها قبل يوم واحد من محاكمة بسام، تستطرد منى: “وصلت البيت الساعة الحادية عشرة مساءً، كنتُ متعبةَ للغاية لكني استعددت باكرًا للذهاب لمحكمته في اليوم التالي، حين دخل بسام إلى المحكمة كان متعبًا ومتهدل الأكتاف، لكن ما إن رآني حتى مد ظهره ورفع يديه حمدًا لله، وارتفعت همته ومعنوياته، وخرج من القاعة بغير الهيئة التي دخل عليها”.

قصة منى مع بسام لم ولن تكتمل إلا باللقاء، فصبر أبو أيوب وأم أم أيوب أولى أن يُكلل بالفرج، تختم منى حديثها بدعاء كثيرًا كان يردده بسام كلما اشتد عليه المرض، أو عم عليه الرخاء: “اللهم إنا رضينا فارضى عنا”.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق